في سبيل المال والنفوذ.. كيف تقوض معارك طارق صالح الدولة في ساحل تعز؟ (تحليل خاص)

في سبيل المال والنفوذ.. كيف تقوض معارك طارق صالح الدولة في ساحل تعز؟ (تحليل خاص)

تمتد سواحل محافظة تعز، غرب اليمن، من مدينة المخا مروراً بمضيق باب المندب الاستراتيجي ووصولاً إلى قُرب شواطئ رأس العارة، لتشكل شريطاً جغرافياً حيوياً تحول بفعل سنوات الحرب إلى ممر مفتوح تعبث به عصابات التهريب المرتبطة بشبكات عابرة للحدود.

ورغم أن هذه الجغرافيا المعقدة شكلت عبر عقود مضت بيئة خصبة للتهريب التقليدي، إلا أن الخارطة الجيوسياسية والعسكرية تبدلت اليوم، لتتوسع الأطماع بفعل الممارسات التي بدت كما لو أنها تتخذ طابعاً مؤسسياً منذ العام 2018، مع الإعلان عن تشكيل قوات "المقاومة الوطنية" غير النظامية التي يقودها طارق صالح بدعم إماراتي في مدينة المخا.

منذ ذلك الحين، لم تعد السواحل مجرد مسارات لتهريب السلع والبضائع فقط، وتحولت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وصراع إرادات لفرض الهيمنة ومحاولة تطويع الجغرافيا والتركيبة القبلية لمديريات الساحل في خدمة أجندات خاصة ومشاريع نفوذ لا تقيم وزناً لسلطة الدولة المركزية، ولا تعترف بالعمق الإداري لمحافظة تعز.

 

ممرات التهريب

 

يكشف الواقع في ساحل تعز عن معادلة مُشوهة، وهو ما يجعل المراقبين للوضع هناك يتساءلون عن دور الحكومة الشرعية في التعامل مع حساسية الموقع الجغرافي لمديريات الساحل القريبة من الممر الدولي في باب المندب، فهل تتهرب الدولة من وضع حد للتجاوزات فيها أم أن هناك تغاضي من قبل السلطات الرسمية المعترف بها دولياً لصالح أدوات غير نظامية للتعامل مع ملف التهريب وغيرها من الملفات. 

وكما يشير الواقع، فإن ممرات التهريب تمثل مناطق رخوة أمنياً، وتعبر بالضرورة عن فجوة في جدار السلطة، ووظيفة الدولة الحقيقية هنا تكمن في مكافحة هذه الآفة والحد منها إذا كان من الصعب اجتثاثها كما هو الحال في أي مكان بالعالم.

لكن المعضلة الكبرى التي يدفع ثمنها الساحل اليوم، تتجلى عندما تنخرط أجهزة محسوبة ضمن معسكر الشرعية في وحل التهريب، لتصبح طرفاً راعياً لاقتصاد الظل.

وفي ظل هذه المفارقة، يصبح أصغر مهرب في الساحل نداً موازياً للقوة العسكرية هناك، وحين تتعارض المصالح أو يخرج المهرب عن عباءة الطاعة، تظهر تلك القوات فجأة ممثلة "للدولة"، فتخرج الحملات الأمنية وتصدر البلاغات الحازمة.

يحدث ذلك من أجل تجيير ترسانة السلاح لتبرير ضرب منافسين كانوا بالأمس القريب أصدقاء وشركاء في العائدات، ليتحولوا بين ليلة وضحاها إلى "مطلوبين أمنياً" تقوم بمطاردتهم، وعندها تفقد تلك القوات بوصلتها الأخلاقية والقانونية، وتقوم بتوجيه سلاحها النوعي (الطيران المسيّر) تجاه المدنيين بدلاً من استهداف مواقع المطلوبين التي لا شك أنها ترصده تماماً.

وهنا لا بد من التذكير أن منطق الدولة لا يتجزأ، فالقانون لا يُفصل على مقاس المصالح الضيقة، وإذا كانت القوات المتواجدة في الساحل تدعي تمثيل الدولة، فإن أولى خطوات هذا التمثيل تتمثل في تمكين مدراء الأمن المعينين رسمياً من قبل وزارة الداخلية، والذين تم رفضهم وإقصاؤهم سابقاً.

كما أنه لا يمكن لمن يرفض قرارات السلطة المحلية ووزارة الداخلية أن يستشهد بمذكراتها اليوم لتبرير حملات عسكرية لا تهدف لفرض الأمن، بقدر ما تهدف لإعادة هندسة شبكات المصالح.

والحقيقة المستخلصة من أحداث الصراع المتكررة، هي أن خطوط التهريب باتت هدفاً استراتيجياً لقوات طارق، لكن ليس لاجتثاث الجريمة، وإنما لاحتكار هذه الممرات الحيوية، وتلميع الصورة أمام الإقليم والمجتمع الدولي كشريك في مكافحة التهريب، بينما يتم في الكواليس التهرب الممنهج من استحقاق دمج هذه التشكيلات العسكرية ضمن هياكل وزارة الدفاع الرسمية.

 

تطويع القبيلة

 

يمثل جوهر التحركات العسكرية الأخيرة في مديرية الوازعية والمناطق المجاورة لها، انعكاساً لأزمة الثقة وصراع البقاء، فالأمر يتجاوز بكثير فكرة الحملات الأمنية لضبط خارجين عن القانون، ليصل إلى مسعى محموم لكسر هيبة النفوذ في الوازعية وتفكيك تركيبتها القبلية الصلبة والمعقدة.

وما تشهده اليوم مديرية الوازعية من عمليات انتشار ومداهمات طالت قرى ومناطق سكنية، كما حدث في منطقة مفرق الأحيوق وقرية "راوية" مطلع أبريل الجاري، وذلك لأنها ظلت كتلة اجتماعية عصية على الترويض، وهذا يعكس رغبة عسكرية في إخضاع هذه البيئة القبلية لخدمة أجندات خاصة تتعلق بإدارة الموارد والمنافذ البحرية، والسيطرة التامة على مسارات التهريب.

إلا أن هذه التحركات العسكرية المغرضة، ولّدت حالة من التصدع والانشقاق المجتمعي حتى من المتعاطفين والمحايدين من أبناء المديرية، لأن قوات طارق صالح استخدمت غطاء "الملاحقة الأمنية" لتنفيذ أجندات تصفية الحسابات.

لقد أدرك أبناء الوازعية أن الهدف ليس ضبط الأمن وملاحقة المطلوبين أمنياً، وإنما استبدال مهرب بآخر، وفرض هيمنة مطلقة تقصي أي قوى محلية لا تعمل تحت مظلتها، وهو ما أدى إلى استنفار قبلي واسع وحالة غليان كادت تنزلق المنطقة معها إلى صراع مفتوح.

وإذا تمعنا في الاستهداف الممنهج للتركيبة الاجتماعية في الوازعية من قبل قوات طارق، نجد أن ذلك ينمّ عن قصور في فهم العمق التاريخي للمنطقة، ويعكس نهجاً استعلائياً يعتمد على القوة المفرطة بدلاً من استيعاب المكونات المحلية ضمن إطار دولة القانون التي تتعامل معها "المقاومة الوطنية" في الأساس بمنطق الكيل بمكيالين.

 

انتهاء المصالح

 

لتفكيك خيوط الصراع في الساحل غرب تعز، يتطلب ذلك تسليط الضوء على أبرز الشخصيات والرموز القيادية ذات النفوذ وارتباطها المباشر بشبكات التهريب، والتي دخلت في مسارات من الشد والجذب والصدام المسلح مع قوات طارق صالح طوال السنوات الماضية.

فرغم ما كان يربط هذه الأطراف من علاقات نفعية ومصالح متبادلة، إلا أن هذه التحالفات الهشة كانت تنتهي دائماً بانتهاء المصلحة، وظهور الرغبة في الاستئثار بالكعكة.

وتبرز تفاصيل قضية أحمد سالم حيدر المشولي كنموذج لهذه العلاقات، فبالعودة إلى العام 2018 حيث بدأ مسيرته كمهرب للأسلحة والسجائر والمشتقات النفطية، لم يكن حينها الشخصية الخارجة عن القانون والمطاردة، لأنه كان يعمل كأداة تحت الإشراف والحماية وبتسهيلات مباشرة من قيادات نافذة في الساحل، وعلى رأسهم قائد القطاع الأمني مجاهد الحزورة، الشخصية التي عليها كثير من علامات الاستفهام.

كانت العلاقة من العمق بمكان، لدرجة أنه تم استحداث طريق جديد للمسافرين (طريق الكدحة - موزع – المخا) تحت لافتة التنمية، بينما كان الهدف الحقيقي بحسب مصادر خاصة لـ"المجهر" هو تفريغ الطريق القديم (الكدحة – الوازعية – المخا) ليكون حصرياً للتهريب بعيداً عن أعين المتطفلين، مقابل نسب مالية ضخمة تورد لقيادات نافذة في الساحل.

ومع مرور السنوات، تضخم حجم أحمد سالم المشولي، بعد أن توسعت أعماله، وعائداته المالية، وارتباطاته مع شبكات التهريب، ليجد نفسه محط اهتمام جهات وشخصيات جديدة صاحبة نفوذ عريض، وتحديداً مع تصاعد سطوة المجلس الانتقالي وتداخل خطوط ضباط إماراتيين وفروا له حماية بكلفة أقل بكثير مما كان يدفعه لقيادات الساحل.

هذا التوسع جعله يشعر بالاستغناء عن حماية الحزورة والقيادات العسكرية المتواجدة في المخا، فبدأ بتقليص نسبة العائد المالي المخصص لهم بشكل دراماتيكي، رغم تضاعف وتنوع نشاطات التهريب من وإلى اليمن.

لكن قيادات المقاومة الوطنية المنخرطة في مجالات التهريب بطريقة أو بأخرى، اعتبرت تصرفه هذا تجاوزاً لمكانتها، وتهديداً قد يفتح الباب لتمرد مشابه من مهربين آخرين، ورغم هذا التمرد، عجزت القوات عن استهدافه لسنوات بسبب تقاطع مصالحها مع شركائه الجدد على ما يبدو.

ومع انحسار سطوة بعض حلفائه مؤخراً، وجدت القيادات في الساحل فرصتها الذهبية لتحجميه وإقصائه، فتم صياغة اتهامات فضفاضة بالتخابر والتقطع كغطاء لتنفيذ حملة عسكرية ضده.

وحين تدخلت الوساطات لتسليم المشولي إلى الجهات الرسمية في تعز أو عدن، وهو ما قوبل برفض قاطع وإصرار متعنت من قائد قطاع الأمن الحزورة على تسليمه إليهم حصراً، السر وراء ذلك كان خشيتهم من انفضاح المستور، فإذا ما فُتح ملف المشولي أمام جهات محايدة، ستتكشف للرأي العام فضائح مدوية عن كيفية إدارة التهريب برعاية القيادات ذاتها، وكيف أسست هذه المنظومة إمبراطورية مالية على حساب دماء اليمنيين ومقدراتهم.

 

تمرد الأدوات

 

لا تتوقف مسرحية الحملات الأمنية وملاحقة المطلوبين أمنيا عند أحمد سالم حيدر، فهناك قصة أخرى مشابهة وقعت في السابع من أبريل من العام 2021، استيقظت مديرية المخا على وقع اشتباكات مسلحة وحرب شوارع بين قوات طارق صالح، ومسلحين يتبعون القيادي البارز في حزب المؤتمر "زيد الخرج"، أسفرت عنها سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.

والظاهر من هذه الحادثة كان محاولة "الخرج" إفشال فعالية تحت مسمى "اللقاء التشاوري الأول لأبناء المخا"، رداً على تهميشه بعد رفضه مباركة تشكيل "المكتب السياسي" الذي أُعلن عنه كذراع سياسي لقوات المقاومة الوطنية.

لكن ما وراء الستار كان أعمق من مجرد خلاف سياسي، فزيد الخرج الذي يُعد من أكبر الأعيان وأشهر الشخصيات النافذة والضالعة في التهريب بالمنطقة، وكان رجل النظام السابق في هذه الجغرافيا الاستراتيجية، أراد توجيه رسالة حاسمة للداعم الإقليمي بأنه الرقم الأصعب في المعادلة، وأنه لا يمكن تجاوزه أو تهميش مكانته تحت قيادة طارق صالح.

في المقابل، جاءت ردة الفعل العسكرية بتوجيهات مباشرة لاقتحام منزله، واعتقال شقيقه، وتدمير ممتلكاته عبر حملة قادها "مجاهد حزورة" أيضاً، لكسر شوكة الخرج واحتكار قنوات التواصل الإقليمية لطارق صالح فقط.

وهذا النزاع يكشف اليوم بوضوح، أن تسليم الخرج لنفسه لاحقاً لم يكن خضوعاً للقانون، وإنما في إطار تسوية لصفقات تهريب كبرى تمت في تلك الفترة وشارك فيها نافذون عسكريون. وفق مصادر أمنية، وهو ما يؤكد أن الصراع هو صراع نفوذ وسباق محموم للسيطرة على الأرض واقتصاد التهريب.

 

صراع الهوية

 

لا يقتصر الصراع على مصالح التهريب، وإنما يمتد للصراع مع قوى محلية من داخل معسكر طارق نفسه وترفض سياسة الاستلاب والاستبدال التي تمارسها قياداته، وهنا يبرز اللواء الأول مقاومة تهامية بقيادة أحمد الكوكباني، كقوة كانت تنظر لنفسها كممثل حقيقي لأصحاب الأرض.

ففي أبريل من العام 2020، انفجر الاحتقان المتراكم وتحول إلى اشتباكات دموية مسلحة أسفرت عن مقتل وإصابة ستة جنود بين فصائل المقاومة التهامية وقوات طارق صالح.

وأرجعت المصادر حينها، هذا الصدام إلى نزوع قيادة الساحل لفرض هيمنتها المطلقة، ومحاولات إقصاء وتهميش أبناء تهامة الذين ينظرون إلى القوات القادمة من خارج الجغرافيا كمشروع توسعي يسعى لاحتكار القرار، ناهيك عن استفزازات عناصر حوثية انضمت لقوات طارق ويتهمونها بانتهاكات سابقة ضد المدنيين.

وفي المحور الجنوبي للساحل وتحديداً في مناطق ذوباب وباب المندب، احتدم الصراع بشكل أشد مع قبائل الصبيحة المتجذرة، ففي يوليو من العام 2023 تصاعد التوتر إثر محاولات قوات طارق فرض هيمنتها على النطاق الجغرافي المشرف على المضيق الدولي.

وبدأ طارق صالح ببناء منشآت عسكرية وميناء ولسان بحري ومعسكرات دفاع ساحلي، وصولاً إلى التخطيط لبناء مدينة سكنية في المنطقة، لكن هذا التحرك اعتبرته قبائل الصبيحة تعدياً صارخاً على أراضيها التي حررتها بدمائها من قبضة الحوثيين، ما اعتبرته تهديداً لنفوذها وإيراداتها.

كما أخذت الأمور منحنى دموياً مع قبائل الصبيحة عندما تم استهداف القيادي البارز أبو ذياب العلقمي الصبيحي، قائد اللواء الأول دعم وإسناد، إثر قرار اعتبره "تعسفياً" بإقالته وتعيين بديل لا يحظى بقبول، مما أدى إلى اندلاع مواجهات ومحاصرته في مدينة الخوخة.

وتجدد هذا الاحتقان في أواخر سبتمبر ومطلع أكتوبر من العام 2024، حين اندلعت اشتباكات في مديرية الوازعية بعد محاولة مسلحي أبو ذياب، التصدي لإنشاء قسم شرطة في منطقة "مثلث الظريفة".

ورغم المبررات الإدارية التي ساقتها السلطة المحلية حول الحاجة لتعزيز الأمن، إلا أن السياق العام للأحداث يثبت أن هذه الاستحداثات الأمنية لم تكن سوى أذرع متقدمة لفرض السيطرة المطلقة على خطوط الإمداد والتهريب الرابطة بين لحج والشمايتين والساحل الغربي، وهو ما أثار الرعب بين المدنيين في المديرية وعطل سير الحياة اليومية.

 

غياب المخرج

 

أمام هذا المشهد العبثي، تتصاعد المطالبات الحقوقية والسياسية بضرورة إنهاء حالة الازدواج والعزلة الإدارية المفروضة قسراً على مديريات الساحل (المخا، موزع، الوازعية، ذوباب).

ولا يمكن استمرار التعامل مع هذه المديريات كوحدات إدارية معزولة ذات وضع خاص أو إقطاعيات عسكرية تابعة لوكيل محلي يعمل لخدمة أجندات إقليمية، فمن الضرورة بمكان إعادتها إلى حضن السلطة المحلية لمحافظة تعز، وإخضاعها بالكامل للمؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية للدولة، في إطار برنامج الإصلاحات الإدارية وتوحيد القرار العسكري الذي شرعت فيه قيادة الشرعية والحكومة.

كما أن معالجة قضية بحجم ملف التهريب في الساحل لا يمكن أن تتم عبر مناكفات سياسية وتصفيات دموية مدفوعة بأطماع السيطرة، وإنما يستوجب الأمر رؤية استراتيجية وطنية شاملة تفكك شبكات المصالح العابرة للحدود، وتضع حداً لنفوذ القوى التي تتخذ من سلطة الدولة جسراً لممارسة الانتهاكات.

وهذا يُحتم على صانع القرار استيعاب العمق الاجتماعي للتركيبة القبلية في الوازعية والصبيحة وتهامة، والتوقف عن سياسة الإقصاء والاستعلاء، فقيمة الدولة تكمن في إنفاذ القانون على الجميع بشفافية وعدالة، لا في تحويل مؤسساتها إلى شركات حراسة لكبار المهربين وقطاع الطرق.

وإلى أن يتحقق ذلك سيبقى الساحل اليمني غرب تعز ثُقباً أسود يبتلع فكرة الدولة وتعيد إنتاج الأزمات في صورة أكثر تعقيداً لا تخدم وسى مصالح هوامير الأزمات وتجار الحروب، وهو ما أوصل اليمن الكبير اليوم، للبحث عمن ينقذه من نفسه!