من رحم ثورة فبراير المجيدة التي خرجت رفضًا للفساد وأملاً في مستقبلٍ أفضل للبلاد، وامتدادًا لثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة التي اندلعت في وجه الظلم والاستبداد، وُلدت الشرارة الأولى للمقاومة الشعبية في اليمن، وهذا الإرث الثوري منحها بعدًا تاريخيًا، حيث أن المواجهة مع الانقلابيين هي في الأساس امتدادًا لصراع طويل ضد مشاريع الهيمنة والإمامة، القديمة منها والحديثة.
وعلى مدى أحد عشر عامًا، لم تتوقف المقاومة الشعبية عند كونها مجرد حالة نضالية فرضتها ظروف الحرب، وإنما تحولت إلى واحدة من أبرز الظواهر العسكرية والاجتماعية والسياسية التي أعادت تشكيل مسار الصراع في اليمن.
فمن بدايات متواضعة وإمكانات شبه معدومة، إلى بنية أكثر تنظيمًا وانخراطًا في مؤسسات الدولة العسكرية، صنعت تجربة المقاومة تحولات أضافت إلى الميدان العسكري بُعداً مجتمعياً يتمثل في بث الوعي المُقاوم، إيماناً بدوره في معركة استعادة الدولة.
للخوض في عمق التجربة، نفّذ فريق "المجهر" نزولًا ميدانيًا لتوثيق شهادات حية من أفراد وقيادات ميدانية عايشوا البدايات الأولى لانطلاقة المقاومة الشعبية، تلك اللحظة التي صارت مع مرور الوقت نقطة تحوّل مفصلية.
قرار المواجهة
مع اجتياح الحوثيين لعدد من المحافظات اليمنية، برزت تعز ومأرب كمحطتين حاسمتين في المعركة، لأن سقوط هاتين المحافظتين كان سيعني بحسب محللين استراتيجيين، انهيار ما تبقى من شرعية الدولة فعلياً، وفتح المجال أمام تمدد المشروع الحوثي إلى نطاقات أوسع، وهو سيكون له بطبيعة الحال انعكاسات تتجاوز الجغرافيا اليمنية.
لكن وفي تعز تحديدًا، شكّلت المقاومة الشعبية سدًا منيعًا أمام هذا التمدد، والسيناريوهات التي كان يمكن أن تؤول إليها المدينة في حال سقوطها، كما يروي المقاتلون، تتجسد في واقع المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث تراجعت مظاهر الحياة الطبيعية، وتفاقمت الانتهاكات بحق المدنيين، من نهب وتقييد للحريات وصولًا إلى القتل خارج إطار القانون.
وفي طور البدايات واجهت المقاومة تحديات معقدة، لأن الإمكانات العسكرية كانت محدودة، سواء على مستوى التسليح والدعم اللوجستي أو الخبرات القتالية لدى المنخرطين في صفوف مقاومة الانقلابيين، وهو ما تطلب قدرًا عاليًا من التنسيق والابتكار الميداني.
كما أن واقع الحصار الجغرافي الذي فرضه الحوثيون، أوجد تحديات مضاعفة على سير العمليات العسكرية بفعل طبيعة تعز الجبلية والوعرة، وامتد تأثير الحصار إلى الجانب إلى الصحي والإنساني، حيث عانت المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وواجهت حالات الجرحى صعوبات بالغة في النقل والعلاج.
هذه الظروف جعلت من عملية إسعاف الجرحى نفسها جزءًا من المعركة، حيث كان نقل المصابين عبر طرق جبلية وعرة في بعض الحالات أكثر خطورة من الإصابة ذاتها، وهو ما ألقى بظلال ثقيلة على الواقع الإنساني للمواجهة.
غير أن العامل الحاسم وفق الشهادات الميدانية، كان الحاضنة الشعبية التي لعبت دورًا محوريًا في دعم الجبهات، فقد انخرط المجتمع بمختلف فئاته رجالًا ونساءً في دعم المعركة، سواء عبر الإسناد اللوجستي أو المعنوي وتولي مهام الإسعاف لنقل الجرحى، ما ساهم في سد فجوات كبيرة ورفع معنويات المقاتلين.
وهذا الالتحام بين المجتمع والجبهات خلق حالة فريدة، حيث تحولت المقاومة إلى قضية مجتمعية شاملة، فالأطباء والمعلمون والتجار والطلاب والمهندسون، جميعهم كانوا جزءًا من معادلة الصمود، وذلك عزز شعور المقاتلين بأنهم يخوضون معركة جماعية من أجل الحرية والكرامة.
كما أن الإرادة الصلبة لهؤلاء المقاتلين شكّلت فارقاً جوهرياً، جعلهم يخضون المعركة بعزيمة استثنائية، مدفوعين بقناعة أن المواجهة تتجاوز الدفاع عن مدينة، لتصل إلى الدفاع عن فكرة الدولة ذاتها.
استنهاض الشعوب
تشكلت حالة النهوض الشعبي من إحساس جمعي بخطر الانقلاب الذي أراد أن ينقض على المدنية والدولة والهوية الوطنية، وفي تلك اللحظة كما يصفها العقيد وهيب الهوري، كان المزاج العام أقرب إلى يقظة جماعية مسلحة، تحركت فيها الدوافع الأخلاقية والوجدانية قبل أن تتبلور في إطار تنظيمي واضح.
يقول الهوري، وهو القائد الميداني السابق في الجبهة الشرقية للمدينة، "كان الدفاع عن تعز يُنظر إليه بوصفه دفاعًا عن الكرامة والحرية والعزة، في مواجهة قوة مسلحة انطبعت في الوعي المحلي بأنها مشروع قمعي يسعى لفرض السيطرة بالقوة وإعادة تشكيل المجتمع وفق مشروعه الكهنوتي".
وفي هذه المرحلة التأسيسية، كانت المقاومة تتحرك بروح المبادرة الفردية والجماعية في آن واحد، حيث تداخل القرار الميداني مع الحماس الشعبي، وارتفعت مستويات الدافعية القتالية إلى درجات غير مسبوقة، كما تصفها الشهادات.
ونشأت مع ذلك معادلة ميدانية غير تقليدية، قوامها الاعتماد على الحد الأدنى من الموارد لتحقيق الحد الأقصى من التأثير، حيث لعب عنصر المفاجأة، والمرونة في الحركة، والجرأة في اتخاذ القرار، دورًا حاسمًا في تثبيت مواقع المقاومة ومنع انهيارها أمام تفوق خصومها العددي والتسليحي.
خطط ميدانية
على مستوى إدارة العمليات، تكشف الشهادات عن تنظيم قتالي خاص، اعتمد على اللامركزية في اتخاذ القرار، ومنح قادة الفصائل والسرايا هامشًا واسعًا من المبادرة الميدانية.
هذا النموذج سمح بتنفيذ عمليات سريعة ومباغتة، خصوصًا في سياق الكمائن والغارات القتالية، التي كانت تُنفذ غالبًا استجابة لفرص لحظية، قبل العودة إلى القيادة لتقييم النتائج وتثبيت المكاسب.
وفي توصيفه لتلك المرحلة، يشير العقيد وهيب الهوري خلال حديثه لـ"المجهر" إلى أن الفارق بين البدايات والواقع الحالي يتمثل في انتقال المعركة من المبادرات العفوية إلى التخطيط المؤسسي.
ويضيف "كانت القرارات الميدانية في المراحل الأولى، تُتخذ في لحظتها من قبل قادة الفصائل والسرايا دون انتظار للتسلسل القيادي، ما أتاح تنفيذ عمليات خاطفة وفعالة، وهي طبيعة ارتجالية فرضتها ظروف المعركة".
أما اليوم، فيؤكد الهوري الذي أصبح قيادياً في الجيش الوطني، أن العمليات العسكرية صارت أكثر انضباطًا وتخطيطًا، وفي إطار المؤسسة العسكرية التي تعتمد على هياكل تنظيمية واضحة وإجراءات عملياتية مدروسة، حتى وإن جاء ذلك على حساب سرعة الحسم الميداني في بعض الحالات.
عنق الزجاجة
في سياق استعراض أبرز المعارك، توثق الشهادات معركة الدحي بوصفها واحدة من أكثر المواجهات شراسة، فقد شكلت هذه المنطقة نقطة ضغط ميداني حادة، حاولت من خلالها مليشيات الحوثي فرض حصار خانق على المدينة، بالتزامن مع إجراءات ميدانية مشددة في نقاط العبور، ومحاولة خلق بيئة ضغط نفسي ومعيشي على السكان والمقاتلين على حد سواء.
ولم يكن الحصار الذي فرضه الحوثيون في الدحي مجرد إجراء عسكري فحسب، وإنما كان بحسب وصف المقاتلين، محاولة لإخضاع المدينة من خلال إنهاكها من الداخل، عبر قطع الإمدادات وفرض قيود صارمة على الحركة والدخول والخروج.
ومن هذا المنطلق، اكتسبت معركة الدحي بعدًا وجوديًا، حيث مثلت اختبارًا لقدرة المقاومة على الاستمرار تحت أقصى درجات الضغط، لتشكل نتائج هذه المعركة نقطة تحول مهمة، حيث ساهمت في كسر الحصار الجزئي، وتثبيت قدرة المقاومة على الصمود، ومنع انهيارها في تلك المرحلة الحرجة.
كذلك من أبرز المحطات الميدانية التي لا تزال حاضرة في ذاكرة المقاتلين، معركة الجحملية" التي وُصفوها بأنها من أعنف المواجهات وأكثرها تأثيراً في توازنات الميدان، حيث تم اقتحام الحي باستخدام دبابة قادها مقاتلون فدائيون، في عملية مشتركة شاركت فيها وحدات من اللواء 22 ميكا، إلى جانب مقاتلين من تشكيلات أخرى من بينها لواء الصعاليك.
وأسفرت العملية يومها عن تحرير مناطق استراتيجية امتدت من الجحملية إلى العسكري وحي بازرعة وصولًا إلى صالة، ما شكّل تقدمًا ميدانيًا مهمًا في تلك المرحلة بعد معركة ضارية.
إلى جانب ذلك، تشير الشهادات إلى سلسلة من المواجهات الحاسمة في الجبهة الشرقية، من بينها معارك السيطرة على مقرات استراتيجية مثل مبنى المؤتمر الشعبي العام، ومبنى المواصلات، ومبنى المالية، كما برزت معركة المكلكل كإحدى النقاط الدفاعية الحساسة، نظرًا لموقعها المشرف على المدينة، وما مثّلته من أهمية تكتيكية للطرفين.
وهذه المواجهات رغم تباين ظروفها، أسهمت في إعادة تشكيل خريطة السيطرة الميدانية داخل المدينة، ودفعت باتجاه تثبيت خطوط تماس جديدة، حدّت من قدرة الحوثيين على التقدم، ورسخت في المقابل مواقع المقاومة في عدد من الأحياء الحيوية.
المقاومة مستمرة
بالنظر إلى مستوى البنية التنظيمية، نجد أن المقاومة شهدت تحولات مهمة، فبعد أن بدأت كحالة شعبية ذات طابع تقليدي، تطورت تدريجيًا إلى كيان أكثر تنظيمًا من خلال إنشاء مجلس تنسيق المقاومة، الذي ضم مختلف مكونات العمل المقاوم، وهو التحول الذي مهّد لاحقًا لدمج المقاتلين ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية، في إطار إعادة بناء الجيش الوطني.
كما أن نتائج المقاومة لم تقتصر على الجانب العسكري فقط، فقد ساهمت في استعادة جزء من مؤسسات الدولة، ووفرت بيئة أكثر استقرارًا نسبيًا في المناطق المحررة، ما شجع العديد من النازحين على العودة إلى مدنهم وقراهم، كما شهدت هذه المناطق تحسنًا نسبيًا في بعض القطاعات الخدمية والاستثمارية، رغم التحديات المستمرة.
واليوم بعد 11 عاماً من القتال، لا تزال المقاومة في حالة استنفار دائم، تحافظ على مواقعها في جبهات القتال ضمن إطار الجيش الوطني، وتواصل الدفاع عن المكتسبات التي تحققت، لترسّخ بذلك نموذجًا للفاعلية الشعبية حين تتحول إلى مشروع وطني منظم، قادر على الصمود والتأثير في مسار الأحداث.
كما أن تجربة المقاومة تبلورت اليوم، لتشكل خبرة متراكمة أنتجت كوادر عسكرية ذات معرفة ميدانية واسعة، قادرة على الدمج بين التجربة العملية والتدريب النظري، بما يرفع من مستوى الجاهزية في أي مواجهات مستقبلية.
وبينما لم تُحسم المعركة بشكل كامل بعد، مع استمرار سيطرة الحوثيين على أجزاء من البلاد، إلا أن ما تحقق حتى الآن يؤكد أن المقاومة الشعبية كانت ولا تزال، عنصرًا حاسمًا في منع سقوط الدولة، وتمهيد الطريق لاستعادتها.
وتبقى القيمة الأهم للمقاومة الشعبية في إعادة تشكيل العقل القتالي ذاته، ونقل الفاعل العسكري من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل المنظم، بما يجعل التجربة إحدى أهم محطات التحول في بنية القوى المحلية في اليمن.
تابع المجهر نت على X
