يملك زعيم جماعة الحوتي ترسانة كاملة من أدوات الإخضاع والإبادة والجريمة؛ كراهية السلالة، والسلاح، والسجون، والقدرة على تحويل القتل إلى فعل يومي يُتلى بخطاب تعبوي بليد. ومع ذلك، ظل يشعر أمام شخصية محمد قحطان بشيء يشبه العجز الأخلاقي وانعدام الجدارة السياسية والفكرية.
الرجل يعرف قحطان جيداً قبل اختطافه وإخفائه. في عام 2014 وقبل اجتياح عمران وصنعاء، التقيا في لقاءات تفاوضية شارك فيها قحطان ضمن وفد وطني يضم إلى جانبه أحمد عبيد بن دغر، والشيخ سلطان البركاني، وعبد العزيز جباري، وعبد الملك المخلافي، بصفتهم أعضاء في اللجنة الرئاسية المكلفة من رئيس الجمهورية بالتفاوض مع عصابة الحوثة.
كان عبد الملك يدخل اللقاءات بالطريقة التي يدخل بها مسلح بلطجي إلى سوق قات، يدخل بكامل غروره محاطاً بحراسة شديدة، وبعداء غرائزي، وإصرار مرضي على الظهور بمظهر الزعيم التاريخي المهاب، وبتلك الخطوات التي يتخيل أصحابها أنها خطوات الفاتحين، بينما تبدو في الحقيقة كخطوات شخص يخشى أن يضحك أحد عليه.
يجلس متهجماً في اللقاءات، ويبدأ بالكلام ويبدو متوتراً يتنقل بين التهديد والوعظ، وأمامه قحطان وهو شخصية سياسية متماسكة وهادئة وذات شرعية اجتماعية حقيقية، وعلى معرفة دقيقة بالمجتمع.
قحطان قادم من المجتمع والمعنى ومن داخل السياسة والجمهورية، من فكرة الدولة الوطنية، ويتصرف بوصفه سياسياً واثقاً من المجتمع.
في المقابل تقف شخصية مرضية قادمة من القبو والصراخ والشعارات ومن عداء شديد للشعب، ويتصرف بوصفه زعيم سلالة يخشى المجتمع ويحتاج دائماً إلى إخافة الناس أولاً كي يشعر بالأمان والمهابة.
في أحد اللقاءات، غضب عبد الملك من لامبالاة قحطان وعدم تعامله بجدية، وبدأ بإطلاق التهديدات. خاطبه قحطان: "الناس لا يمنحون الاحترام لمن يحاول إخافتهم".
يعيش عبد الملك على الانعكاس العاطفي الذي يتركه في الآخرين؛ يحتاج إلى وجوه مشدوهة أو خائفة، يحتاج إلى أن يشعر بأنه مركز الجاذبية النفسية للمكان والمحيط.
لكن قحطان ظل يرتكب بحقه الإهانة الأكثر قسوة؛ كان يتعامل معه كظاهرة صاخبة أكثر منها شخصية تستحق الانبهار أو الارتباك.
حضرت مقيلاً بمنزل أحد المشاركين في اللقاءات التي كانت تجريها اللجنة الرئاسية، وتحدث عن مكائد قحطان الصامتة وكيف كانت توتر جو التفاوض مع عبد الملك.
يقول الرجل: أحياناً، بعد نوبة طويلة من الكلام المتوتر والحديث الطويل لعبد الملك، يتدخل قحطان ويرجم بسؤال ما لامه علاقة بالموضوع: هل ما تزال هناك سيارات بيجو تعمل على خط صعدة - صنعاء؟
أثناء حديث عبد الملك الطويل والبليد والمشحون وتلويحاته بالتهديد والوعيد، يلتفت قحطان وينظر إلى قدمه ويهزها، كما لو أن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام في الغرفة يحدث تحت الطاولة.. هنا عند قدمه.
كان يفعل ذلك ببرود وبلا استعراض، لكن تأثيره كان قاسياً على زعيم الجماعة الذي يعيش على انتباه الآخرين ويريد من الجالسين أن يتابعوا انفعالاته ويراقبوا تعابير وجهه، وأن يشعروا بأنهم أمام رجل يهز التاريخ، بينما يتركه قحطان يتكلم كما يُترك شخص ثرثار يستهلك طاقته وحده.
كم عانى قحطان وهو يقف أمام صبيانية عبد الملك وولعه المبالغ فيه بالشعارات الكبيرة، واللغة المتضخمة والمشحونة؟ أشعر بحساسية قحطان الشديدة وكم يحتقر أولئك "الأعفاط" الذين يحاولون تحويل السياسة إلى مناسبة للتعبئة والاستعراض ويغرقون اللغة في خطابات استعراضية ووعظية فارغة.
لم يكن قحطان على قناعة بتلك اللقاءات، ناهيك عن تحمل صبيانية عبد الملك وهو يتعامل مع السياسة والتفاوض بوصفها خطبة تعبئة.
لكن المناخ العام حينها كان غارقاً في الانقسام، وكان يُتهم حزب الإصلاح حينها بمحاولة جر الجيش إلى خوض معركة الحزب ضد الحوتيين في عمران، وبل اعتبرها البعض محاولة من الاصلاح لاشغال القوات المسلحة عن معركتها ضد القاعدة في أبين.
لكن قحطان ظل يحاجج باعتبارها معركة الدولة والشعب ضد عصابة سلالية تحمل عداءً جذرياً للجمهورية والدولة والمجتمع.
ودائما ما أكد على أن تصدر قواعد الاصلاح للمعركة في مواجهة الحوتيين في عمران، مسألة متصلة بجوهر مسؤولية الاصلاح كما يفترض أنها مسؤولية كل القوى السياسية والاجتماعية أمام التهديد.
لم يكن رئيس الجمهورية بمستوى التهديد التاريخي الذي تمثله الحوثية، إذ اعتبرها فعلاً معركة بين الإصلاح والحوتي، وليس معركة الدولة والمجتمع. وظل يختبر الإصلاح ويصر على مشاركة قحطان في وفد الرئاسة رغم يقينه بعدم جدوى السياسة مع عصابة عسكرية مضادة للسياسة.
تابع المجهر نت على X