كثيرةٌ هي الفقدانات والاغتيالات في بلادٍ متشظيةٍ ومنقسمة، وسلطةٍ مهترئةٍ ومنقسمة، لكن بعض الأحداث تحمل دلالاتٍ كبيرة.
بالطبع، كل حادثة قتلٍ هي عدوانٌ على النفس، وقتلٌ لكل النفوس، والحوادث السياسية تدور في فلك الصراع السياسي. إلا أن اغتيال وسام قائد، القائم بأعمال مدير الصندوق الاجتماعي، مؤشر خطير، لما يعكسه من منزلقٍ تذهب إليه البلاد على أكثر من مستوى.
أولاً: بالنسبة لشخص وسام؛ ترك حياته في بريطانيا بعد ان حصل على التأهيل اللازم وهو يمني من جيل اغتراب لاحق وعاد ليعمل في اليمن. وهذه من أندر الهجرات العكسية للكفاءات في بلدٍ يكاد ينزف يومياً عقولَه وخبراته، حتى بات شبه فارغٍ إلا من عددٍ قليل، بينما الاحتياج يتزايد بسبب تفكك الدولة، وانكماش القطاع الخاص، وغياب البيئة الجاذبة للحفاظ على الكفاءات، رغم الزيادة السكانية المهولة.
لم تكن عودة وسام إلى اليمن مجرد اقتناص فرصة وظيفية، بل إيمان بجدوى العمل في المجال العام والوظيفة العامة ورغبة صادقة في خدمة الناس وانتماء أصيل لا يقارن.
اغتيال وسام -أياً كان قاتله- سيجعل كل يمني في الخارج يسأل نفسه ألف مرة قبل أن يقرر العودة إلى اليمن والعمل فيها.
ثانيًا: المجال الذي كان يعمل فيه وسام مجالٌ تنمويٌّ بامتياز، وقتله يعني تعطيل آخر قربة إنعاش للعمل التنموي المحلي، الذي يبني مشاريع مستدامة، لا مجرد خدمات طارئة، ويُمكّن العائلات من كسب لقمة العيش بكرامة بدلًا من أن تصبح عالةً واتكالية.
إذا صدقت فرضية أن الحوثيين وراء قتله، فإن الجماعة تذهب إلى أبعد الحدود في خنق اليمنيين في لقمة عيشهم، وحبسهم في سجن الفقر والموت إذا قرروا الفكاك من قبضتها. وإذا كانت جهةٌ أخرى غير الحوثيين، فإنها بمقتله تشارك هذه الجماعة في تعطيل التنمية وتعميق إفقار اليمنيين.
ثالثًا: إن اغتياله في العاصمة المؤقتة عدن جاء بعد انتقال الصندوق الاجتماعي من صنعاء بسبب سياسة التضييق الحوثية. وبهذا، فإن عدن لم تلتقط فرصتين ذهبيتين:
الأولى: أن تتحول إلى عاصمةٍ قادرة على احتضان مؤسسات الدولة وإعادة بنائها.
والثانية: أن تستقطب كفاءات كوادر الدولة والمؤسسات الحكومية.
فعدن تبدو مغلقةً على فصيلٍ جهوي، لا يستطيع أبناء اليمن العمل إلى جوارهم، وهو ما يجعل اغتيال وسام حدثًا يلبي رغبات أكثر من طرف يسعى إلى اختطاف اليمن ومدنه.
الذين عرفوا وسام قائد العريقي شخصيًا، أو عرفوه من خلال عمله وطبيعة المؤسسة التي يعمل فيها، يدركون فداحة هذا الفقد على اليمن بأكمله.
والصندوق الاجتماعي مؤسسة حساسة بحكم تدخلاته في حياة اليمنيين الفقراء الذين لا عون لهم، وقد بقي آخر إنعاش لهم، حتى أُجبر على الخروج بعد أن تعرضت موارد المنظمات للنهب. كما أن هذا الصندوق كان حبلًا سريًا للثقة بين مؤسسات الداخل غير المسيسة والمجتمع الدولي.
ثم إن معركة نقل المؤسسات إلى عدن لم تكن سهلة، واغتياله يعكس حجم التعقيد والتحدي.
والسؤال الآن: كيف يمكن نقل أو تفعيل مؤسسات أخرى أكثر حساسية سياسية وسيادية، مثل الطيران والنقل والاتصالات؟
تكررت حوادث الاغتيالات في غضون أسابيع في عدن، وكلّ اغتيالٍ يحمل دلالاتٍ سياسيةً وأمنية في سياق سياسي معقد بعد حل المجلس الانتقالي وتبدلات السلطة جزئياً في عدن والمحافظات المجاورة.
والمعالجة تكون من خلال مراجعة جادّة للمنظومة الأمنية؛ فهذا الانكشاف يقتضي إعادة هيكلة وتدوير وبناء منظومة استخباراتية جادّة.
إن أقل ما يمكن أن يسهم في معالجة هذه الفجوة هو القبض على القتلة وكشف الحقيقة.
خالص العزاء لأسرته ومحبيه.
تابع المجهر نت على X