في مشهد يعكس تصاعد التوترات داخل الوسط الصحفي اليمني، تتزايد حدة الخلافات لتتحول في بعض الأحيان إلى حملات استهداف علنية تطال قيادات نقابية، وسط غياب لافت لأي تدخل حازم من الجهات المعنية داخل النقابة.
هذا الواقع يضع نقابة الصحفيين اليمنيين أمام تساؤلات متكررة بشأن دورها في حماية أعضائها، خاصة مع تكرار حوادث مماثلة خلال فترة زمنية قصيرة، دون أن يقابلها تحرك واضح يعكس التزامًا بتطبيق اللوائح المنظمة للعمل النقابي.
وتكشف الوقائع الأخيرة، التي طالت عضوين في مجلس النقابة، عن نمط متصاعد من الخلافات التي تتجاوز حدود النقد المهني إلى تبادل الاتهامات والإساءات، في ظل بيئة إعلامية تعاني أصلًا من هشاشة وضغوط متعددة.
خذلان نقابي
في العام الماضي، تعرّض عضو مجلس النقابة، رئيس لجنة الحقوق والحريات، والمستشار الإعلامي لسفارة اليمن في إثيوبيا، جمال أنعم، لحملة اتهامات من قبل الصحفي نايف حسان، أثناء تواجده في مدينة تعز، حيث كان يشارك في أنشطة فكرية وثقافية وشبابية.
تلك الاتهامات أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الإعلامية، رغم أنها قوبلت بنفي رسمي من السفارة اليمنية في أديس أدبابا، يدحض المزاعم التي أوردها حسان حول نشاط الصحفي جمال أنعم.
ومؤخرًا، تكرر المشهد مع تعرض رئيس لجنة الروابط والفروع في مجلس النقابة، فكري قاسم، لهجوم وإساءات من قبل الصحفي محمد عايش، مدير قناة الجمهورية التابعة لطارق صالح.
ورغم أن الصحفيين نايف حسان ومحمد عايش— وهما عضوان في نقابة الصحفيين—لم تُتخذ بحقهما أي إجراءات وفق لوائح وأنظمة النقابة، ولم يُحال أي منهما إلى مجلس تأديبي، رغم ما أُثير من وقائع تمس أعضاء في مجلسها.
هذا التجاهل يطرح تساؤلات جدية حول معايير المساءلة داخل النقابة، ومدى التزامها بتطبيق لوائحها على الجميع دون استثناء، فهل هي كيان لحماية الصحفيين… أم مجرد اسم بلا وظيفة؟
موقف ضعيف
الصحفي جمال أنعم قال إنه "جمد عضويته في النقابة، لعدم قدرته على تقديم استقالته من منصبه كرئيس للجنة الحقوق والحريات، كون ذلك يتطلب رفعها إلى الجمعية العمومية للموافقة".
وأضاف أنعم، في حديثه لـ"المجهر"، أن موقف مجلس نقابة الصحفيين اليمنيين كان "مخزيًا وضعيفًا"، منتقدًا التقاعس في التعامل مع الحملة التي استهدفته.
وفي توضيحه لدوافع الهجوم عليه، أشار إلى أنه لا تربطه أي خلافات سابقة مع الصحفي نايف حسان، واصفًا الحملة بأنها مفاجئة وغير مبررة، مؤكدًا أن الردود الرسمية، خصوصًا من السفارة اليمنية في أديس أبابا، فضحت حسان ودحضت تلك الاتهامات.
وكانت السفارة اليمنية في العاصمة الإثيوبية قد نفت، في بيان صادر في سبتمبر/أيلول 2025، صحة المعلومات التي نشرها الصحفي نايف حسان، مؤكدة أن ما ورد لا أساس له من الصحة، ومشيدة بأداء جمال أنعم المهني، وداعية وسائل الإعلام إلى الالتزام بالمصداقية وأخلاقيات العمل الصحفي.
إبعاد قسري
في السياق ذاته، أفاد رئيس لجنة الروابط والفروع في مجلس النقابة، فكري قاسم، بأن الصحفي محمد عايش، رئيس قناة الجمهورية، تقدم بشكوى ضده إلى نقابة الصحفيين اليمنيين.
وأوضح قاسم، في منشور على منصة "فيسبوك"، أن الشكوى تضمنت اتهامات له بالتحريض على القناة وابتزازها عبر مطالبته بمستحقات مالية تتعلق بأعمال سابقة.
وأشار إلى أنه سبق أن تعرض لمضايقات من قبل عايش، من بينها إبعاده قسرًا من العمل داخل القناة وإلزامه بالعمل عن بُعد، ناقلًا عن مدير قناة الجمهورية قوله: "سير اشتغل من البيت".
اللافت أنه سبق جمع نايف حسان ومحمد عايش العمل في كيان إعلامي واحد، تمثل في صحيفتي “الشارع” و“الأولى”، قبل توقفهما عقب أحداث ديسمبر 2017 في صنعاء بين قطبي الانقلاب (الحوثيون وصالح) والتي أسفرت عن مقتل الأخير.
توضيح دفاعي
وفي سياق الاتهامات الموجهة للنقابة، أكد أمين عام فرع نقابة الصحفيين بتعز، عماد السقاف، أن النقابة لا تتوانى عن التدخل في قضايا استهداف الصحفيين، مشيرًا إلى أن آلياتها في التعامل تشمل إصدار البيانات، وتقديم الدعم القانوني، والتواصل المباشر مع الجهات المعنية.
وأوضح السقاف في حديثه لـ"المجهر" أن فرع النقابة في تعز لم يتلق خلال الأيام الأخيرة بلاغات رسمية تتعلق بحالات الاستهداف أو الإساءة المشار إليها، معتبرًا أن غياب الشكاوى يحدّ من قدرة النقابة على التحرك المؤسسي.
وأضاف السقاف أن الظروف التي تمر بها النقابة منذ اندلاع الحرب، بما في ذلك غياب المقرات، وشحّ الموارد، وتشتت قياداتها، أثّرت على أدائها، في ظل بيئة عامة تتسم بالقيود والضغوط على الحريات في مختلف مناطق البلاد.
ومع ذلك، شدد على أن النقابة اضطلعت بأدوار فاعلة خلال السنوات الماضية، من بينها متابعة قضايا الصحفيين أمام المحاكم، والمساهمة في الإفراج عن محتجزين، إلى جانب تحركاتها للضغط من أجل إنهاء الانتهاكات.
وأشار إلى أن النقابة تعاملت مع عدد كبير من القضايا، بعضها حُلّ عبر الوساطات المباشرة والتواصل مع الجهات الرسمية، دون الحاجة إلى التصعيد الإعلامي، لافتًا إلى أن بعض الحالات لا تندرج ضمن القضايا المهنية البحتة، ما يفرض مقاربات مختلفة في التعامل معها.
كما دعا الصحفيين إلى الالتزام بأخلاقيات المهنة والمعايير القانونية، معتبرًا أن بعض التجاوزات الفردية تضع النقابة أمام تحديات إضافية، ومؤكدًا أن النقابة مستمرة في أداء دورها رغم الصعوبات.
تدهور خطير
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، تتجلى صورة أكثر قتامة لواقع الصحفيين اليمنيين، الذين يعملون في بيئة مليئة بالمضايقات والانتهاكات، تصل في بعض المناطق إلى التهديد والقمع الممنهج، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي الإرهابية.
ويعكس تراجع اليمن إلى المرتبة 164 عالميًا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، بانخفاض عشر مراتب عن العام السابق، حجم التدهور الذي يضع البلاد ضمن الدول المصنفة بـ"الخطيرة للغاية" في هذا المجال، وفق تقرير مراسلون بلا حدود.
وفي هذا السياق، حذّرت نقابة الصحفيين اليمنيين، في بيان لها اليوم الأحد، من تدهور خطير في بيئة العمل الإعلامي، مشيرة إلى تصاعد الانتهاكات والتضييق، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي تثقل كاهل الصحفيين.
كما لفتت إلى تدني الأجور وغياب الحماية الاجتماعية وعدم الاستقرار الوظيفي، فضلًا عن هشاشة المؤسسات الإعلامية واستمرار الانقسام السياسي، وهي عوامل أسهمت في تراجع مستوى الأمان المهني.
وأكدت النقابة أن غياب المساءلة وتعدد الجهات المتدخلة في المشهد الإعلامي عززا من ظاهرة الإفلات من العقاب، داعية إلى معالجات شاملة تعيد الاعتبار لحرية الصحافة.
من جانبها، حذّرت منظمة "صحفيات بلا قيود" من تدهور ممنهج لحرية الصحافة، مشيرة إلى تعرض الصحفيات لانتهاكات مركبة تشمل القمع السياسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، خصوصًا في مناطق النزاع.
كما دعا الاتحاد الأوروبي إلى الإفراج الفوري عن الصحفيين المحتجزين في اليمن، محذرًا من تصاعد التهديدات ضد حرية الإعلام.
فيما طالب المركز الأمريكي للعدالة بإنهاء القمع الممنهج ضد الصحفيين، محذرًا من تدهور أوضاع المعتقلين، لا سيما الحالة الصحية للصحفي عادل السياغي.
ختامًا، تضع هذه الوقائع المتكررة نقابة الصحفيين اليمنيين أمام اختبار حقيقي لدورها ومصداقيتها، في وقت تتصاعد فيه التحديات التي تواجه الصحفيين في البلاد التي تشهد حربًا متواصلة لأكثر من عقد.
وبينما تتطلب المرحلة موقفًا حازمًا يعزز من حماية الأعضاء ويعيد الثقة بالمؤسسة النقابية، يبقى استمرار الصمت أو التراخي عاملًا يفاقم الأزمة، ويفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات داخل وخارج الوسط الصحفي.
تابع المجهر نت على X
