من "إعلان عدن" إلى حل المجلس.. كيف انتهى مشروع الانتقالي خلال تسع سنوات؟ (تقرير خاص)

من "إعلان عدن" إلى حل المجلس.. كيف انتهى مشروع الانتقالي خلال تسع سنوات؟ (تقرير خاص)

بين ضجيج ما يسمى بـ "إعلان عدن التاريخي" في مايو 2017، وقرار "إعلان الحل" في يناير 2026، تمتد تسع سنوات من التناقضات السياسية والتنظيمية التي رسمت مسيرة المجلس الانتقالي الجنوبي. 

وهذه المسيرة تحول معها المجلس، من حامل مفترض للقضية الجنوبية إلى عائق رئيسي أمام أداء الدولة لمهامها والانحراف عن تطلعات وأهداف الشارع الجنوبي.

وإذا عدنا إلى لحظة إعلان ولادة المجلس الانتقالي، نجد أنه لم يكن بدافع سياسي واستحقاق للقضية الجنوبية، بقدر ما كان ردة فعل غاضبة على قرار إقالة عيدروس الزُبيدي من منصبه محافظًا لعدن، في أبريل 2017م من قبل الرئيس السابق عبدربه منصور هادي.

منذ تلك اللحظة، ارتبطت نشأته بأجندة إقليمية واضحة، جعلت من القرار السيادي الجنوبي رهينة لحسابات أبو ظبي، وهذا الارتهان حوّل المجلس سريعًا إلى أداة لتنفيذ استراتيجيات السيطرة على الموانئ والجزر وتفتيت النسيج الاجتماعي، مقابل دعم عسكري إماراتي مكّن قيادته من إحكام قبضتهم على عدن ومحافظات جنوبية أخرى.

وتمحورت هذه القبضة مع مرور الوقت، بشكل ديكتاتوري حول شخص رئيسه عيدروس الزبيدي، الذي اختزل المجلس وهيئاته في سلطة الرجل الواحد، مغيبًا الكفاءات الجنوبية لصالح الولاءات الضيقة والمحسوبية.

 

قناع القضية

 

مع تمدد نفوذه في المحافظات الجنوبية، لم يتجه المجلس نحو توحيد الصف الجنوبي كما كان يزعم، وانتهج سياسة الاستقواء بالسلاح ضد كل من يخالفه الرأي من المكونات الجنوبية الأخرى.

وتحولت معظم المدن والمحافظات الجنوبية، وعلى رأسها عدن، إلى ساحات لصراع "الإخوة الأعداء" بدءًا بأحداث يناير 2018 ثم أغسطس 2019، حيث وجه الانتقالي فوهات بنادقه نحو الداخل الجنوبي لفرض نفوذه بالقوة، معيدًا إلى الأذهان صراعات الماضي الأليمة التي حاول الجنوبيون تجاوزها.

وترافق هذا التغول العسكري مع سياسة إقصاء ممنهجة، تجلت في تعيينات ذات طابع مناطقي مستفز، منحت الامتيازات والمناصب القيادية في الوحدات الأمنية والعسكرية على أساس مناطقي، مما عمّق الانقسام الاجتماعي وأثار حفيظة أبناء محافظات حضرموت والمهرة وأبين، الذين وجدوا أنفسهم أمام مركزية مناطقية بديلة لا تختلف في جوهرها عن المركزية النظام السابق في صنعاء التي تحرك الجنوب ضدها.

لكن القناع الذي حمل شعارات "الإدارة الذاتية" منذ إعلان عدن، سقط مع عجز الانتقالي عن تقديم أبسط الخدمات الأساسية، ففي ظل سيطرته غرقت عدن في الظلام بسبب الانقطاعات المتواصلة للكهرباء، وانهارت المنظومة الصحية، وتوقفت المرتبات.

وهذا الفشل كان نتيجة لازدواجية القرار التي مارسها الانتقالي، فقد شارك في هرم السلطة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وفي الوقت ذاته عمل على تعطيل مؤسسات الدولة من الداخل، مما خلق حالة من الشلل العام خدمت مصالحه الضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا.

ولم يتوقف الإخفاق عند الجوانب الخدمية والسياسية، بل وصل الأمر إلى انتهاك كرامة المواطن اليمني في الجنوب، فقد شهدت فترة سيطرة الانتقالي موجة من الاغتيالات التي طالت قائمة طويلة من السياسيين ورجال الدين والناشطين، واكتظت السجون السرية بالمعتقلين والمخفيين قسرًا بتهم سياسية كيدية.

 

أداة إماراتية

 

انحرف المجلس الانتقالي عن المسار الذي اتخذه لنفسه بداية تأسيسه، ليتحول من جوهر القضية الجنوبية إلى أداة لتعطيل الدولة وتعميق جروح الجنوبيين التي ادعى يوماً أنه جاء ليرفعها.

يقول الصحفي اليمني ورئيس مجلس إدارة مؤسسة 14 أكتوبر للصحافة والطباعة والنشر عبد الرقيب الهدياني، إن المجلس وقع في محظورات كبرى، وفي مقدمتها أنه بدأ كمشروع إقليمي وليس محلي.

وأوضح الهدياني في حديثه لـ "المجهر"، أن تحول الانتقالي إلى أداة وذراع إماراتية تنفذ مخططات الممول، جعله "ينشغل عن الهدف المعلن وهو القضية الجنوبية، ليصبح مجرد شركة أمنية لحماية مصالح الخارج".

وأضاف الهدياني أن المحظور الثاني للانتقالي، أنه مارس سياسة الإقصاء ذاتها التي ادعى يومًا أنه يواجهها، فبدلاً من بناء جبهة وطنية عريضة، حصر القرار في دائرة ضيقة تتسم بالجهوية والمناطقية.

وأشار إلى أن المجلس اعتمد المناطقية معيارًا له، حيث انحصر تمثيله فيما يعرف بـ "مثلث الضالع - ردفان – يافع"، وهي مناطق لا تمثل سوى 5% من جغرافيا وسكان الجنوب.

وهذا الأفق السياسي الضيق، أدى وفقا للهدياني، إلى صدامات دامية مع المحافظات الشرقية (حضرموت، شبوة، المهرة، وأبين) التي رأت في مشروع الانتقالي خطراً يهدد كيانها ونسيجها الاجتماعي.

 

بندقية للإيجار

 

سجلت السنوات التسع الماضية سلسلة من الحروب الداخلية التي شنها المجلس لمحاولة فرض سلطته كأمر واقع، من انقلاب أغسطس 2019 في عدن، إلى معارك أبين وشبوة وسقطرى، والاقتحام المسلح لقصر معاشيق (مقر الحكومة في عدن) ثماني مرات.

وهذا الاستخدام المفرط للقوة ترك احتقانًا بين أبناء المحافظات الجنوب، مما أسقط ادعاء "وحدة الصف" التي كان يتشدق بها قادة المجلس.

كما تحولت عدن تحت سيطرة الانتقالي إلى مدينة للخوف، حيث يصف الهدياني هذه الحقبة بـ "التسع السنوات السوداء"، مشيرًا إلى استخدام أجهزة أمنية، كجهاز مكافحة الإرهاب بقيادة يسران المقطري، كـ"ساطور" لنحر الناشطين والسياسيين الجنوبيين.

وأضاف الصحفي الهدياني "لم تشهد عدن اغتيالات للأئمة والخطباء والناشطين كما شهدتها في عهد الانتقالي، وأنا واحد من هؤلاء الذين تعرضوا لثلاث محاولات اغتيال".

وتابع: "نحن نتحدث عن 65 مخفيًا قسريًا لا يُعرف مصيرهم حتى الآن، وسجون سرية تمارس فيها أبشع أنواع الانتهاكات".

 

شريك مُعطِل

 

لعب الانتقالي دورًا مزدوجًا مثيرًا للجدل، فهو شريك في الحكومة الشرعية (عبر مجلس القيادة الرئاسي والوزارات)، وفي الوقت نفسه هو المعطل الأول لمؤسساتها.

يشير الصحفي الجنوبي عبدالرقيب الهدياني، إلى أن هدف الانتقالي من التواجد في السلطة الشرعية هو "تفتيت مؤسسات الجيش والأمن" من الداخل، ووضع "فيتو" أمام أي خطوة نحو استعادة الدولة.

وأوضح الهدياني أن الانتقالي كان بإمكانه تدارك الموقف مبكرا، لكنه بدلاً من استثمار الشراكة لتحسين معيشة الناس وكسب الشارع الجنوبي من عدن حتى المهرة، استغلها المجلس لشرعنة انقلاباته الميدانية.

ولعل الموقف الأكثر تعبيرًا عن فشل المجلس في وضع حلول معالجة لاحتياجات المواطنين، هو تصريح رئيسه عيدروس الزبيدي الشهير حينما قال "نحن لم نأتِ لأجل الخدمات".

هذه العقلية انعكست بشكل كارثي على حياة المواطنين، فالكهرباء وصلت انقطاعاتها إلى 20 ساعة يوميًا في صيف عدن الحار، وتأخير مستمر للرواتب ونهب للموارد المالية والضرائب لصالح "النخب العسكرية" التابعة للانتقالي.

 كما شهدت عدن تحديدا، نهب ممنهج للأراضي والممتلكات العامة والخاصة لم تشهد له مثيلاً في أي حقبة سابقة.

 

غطاء قانوني

 

في قراءته لتركيبة المجلس، يرى الصحفي الجنوبي أدهم فهد، أن الانتقالي لم يكن لديه منذ البداية نوايا حقيقية لتقديم شيء للجنوب، رغم امتلاكه القوة العسكرية والسلطة الإدارية في عدن.

وفي حديثه لـ"المجهر" قال أدهم فهد إن الانتقالي سخر إمكانياته العسكرية والإدارية لغرض الجبايات والنهب الممنهج، حيث تحولت النقاط الأمنية في لحج وأبين وميناء عدن إلى قنوات لنهب عشرات المليارات شهرياً لصالح حسابات شخصية.

 كما قام بناء إمبراطوريات مالية في قطاعات العقارات وشركات الصرافة، بعيدًا عن الاحتياجات الأساسية للمواطن مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية. بحسب حديث فهد.

وأكد أن التنمية لم تكن يومًا حتى في ذيل أولويات المجلس، حيث لم يشهد الجنوب تحت سلطته بناء مدرسة أو سفلتة شارع واحد عدا ما تم بجهود ذاتية.

وشكك الصحفي أدهم فهد في المرتكزات الأخلاقية والسياسية التي قام عليها المجلس، معتبرًا إياه أداة إقليمية أكثر من كونه تعبيرًا عن إرادة شعبية، مضيفًا أن القضية الجنوبية بعدالتها وحاضنتها الشعبية، استُخدمها الانتقالي كـ "ستار" لتمرير أجندات دولة الإمارات.

وهذا الانحراف انكشف في أزمة التمثيل، حيث أشار إلى أن العروض العسكرية والتعيينات القيادية انحصرت في مناطق محددة (الضالع وردفان)، بينما تُهمش بقية المحافظات كحضرموت وأبين،.

كما تم الزج بمقاتلين من الضالع ويافع في أحداث حضرموت والمهرة، وهنا يبين الصحفي أدهم أن الانتقالي لم يكن يعول على قيادات من حضرمية خلال تلك المعركة، في إشارة إلى وجود فجوة مناطقية بين الجنوب نفسه.

وأكد أن حرص الانتقالي على البقاء داخل هيكل الشرعية لم يكن رغبة في استعادة الدولة من الحوثيين، وإنما للحصول على "الحصانة القانونية" وتوفير المردود المالي لمنتسبيه، فضلاً عن تقديم غطاء رسمي لتنفيذ الأجندات الخارجية للمول الإماراتي.

 

مناطقية مقيتة

 

تصاعدت نبرة العنصرية والمناطقية المقيتة في ظل سيطرة الانتقالي، ليس فقط ضد أبناء المحافظات الشمالية، وإنما كذلك ضد الجنوبيين المخالفين له في الرأي، وهذا التوجه جعل من عدن بيئة طاردة للكفاءات ولأبناء المحافظات الأخرى.

كما أدى إلى فقدان ثقة شريحة عريضة من الجنوبيين، بمشروع الانتقالي الذي بدا وكأنه "بندقية للإيجار" تنفذ أجندات إقليمية لا علاقة لها بطموحات الاستقلال المزعومة أو بناء الدولة.

ويبدو أن هذا المسار المتخبط، هو ما قاد المجلس الانتقالي إلى الفشل القيادي في يناير 2026، حين صدر إعلان حل المجلس من قبل قيادته في الرياض عقب الضغوط السعودية التي اعقبت أحداث حضرموت والمهرة، ووصول مشروعه إلى طريق مسدود.

ورغم محاولات النفي المرتبكة والبيانات المتناقضة التي صدرت لاحقاً من عدن، إلا أن الحقيقة التي ترسخت في ذهن الشارع الجنوبي هي أن المجلس الانتقالي قد استنفد دوره الوظيفي في اقناعهم.

وتثبت تجربة الانتقالي خلال تسع سنوات، أن الكيانات التي تقوم على الإقصاء، والارتهان للخارج، وتغليب لغة الرصاص على لغة الحوار، لا يمكنها أن تبني وطناً أو تقود قضية عادلة نحو بر الأمان، ليقف الجنوب اليوم أمام ضرورة البحث عن مسار وطني شامل يصحح خطايا تلك المرحلة التائهة.