فوضى إدارية.. سلطات موازية تربك الاستجابة الإنسانية في ساحل تعز (تقرير خاص)

فوضى إدارية.. سلطات موازية تربك الاستجابة الإنسانية في ساحل تعز (تقرير خاص)

في ظل التعقيدات السياسية والإدارية التي تشهدها اليمن، تبرز مديريات ساحل تعز، غربي اليمن، كواحدة من أكثر النماذج إشكالية في إدارة العمل الإنساني، حيث تصطدم السلطات الرسمية مع سلطة موازية تفرض واقعاً خاصاً على الأرض يقوده عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح.

ويتجاوز هذا الواقع المفروض الجانب الأمني والعسكري ليشمل العمل الإغاثي والإنساني، الذي يُفترض أن يكون محكومًا بأطر قانونية ومؤسسية واضحة، إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى خلاف ذلك.

أحد مظاهر هذه الإشكالية يتمثل فيما يسمى بـ"مكتب شؤون المنظمات في الساحل الغربي"، وهو مكتب ليس له أساسًا قانونيًا في هيكل السلطة المحلية، ولا يندرج ضمن التقسيمات الإدارية المعتمدة لدى الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

يندرج هذا المكتب تحت إدارة المكتب السياسي للمقاومة الوطنية، ويديره شخص يدعى عادل المسعودي، الذي يمارس مهامًا تتعلق بتنظيم عمل المنظمات الدولية والمحلية، دون سند قانوني واضح أو تفويض رسمي من الجهات المختصة في الحكومة.

ومع ذلك، فإن الممارسات الميدانية للمكتب تمنحه نفوذًا واسعًا على عمل المنظمات، بما في ذلك التحكم في منح التصاريح ووضع شروط إضافية للعمل، وهو ما أدى إلى شكاوى متعددة من المنظمات المحلية والدولية حول العراقيل التي يفرضها المكتب على عملها.

 

إشكاليات إدارية

 

تتجلى القضية الرئيسية هنا في أن هذا المكتب بات يشكل حلقة إلزامية أمام المنظمات الإنسانية، حيث يُفرض عليها الحصول على تصاريح متعددة، تبدأ من نقاط الدخول إلى المناطق الساحلية، ولا تنتهي عند تصاريح مباشرة العمل.

هذا التعقيد الإداري الذي قد يستغرق أيام بحسب شهادات عاملين في منظمات إنسانية تحدثوا لـ"المجهر"، يمثل عائقًا حقيقيًا أمام الاستجابة السريعة للاحتياجات الإنسانية، خصوصًا في حالات الطوارئ والكوارث الطبيعية.

ومن هذا المنطلق، تبرز تساؤلات جوهرية حول هوية هذا المكتب وأولويات عمله، لأنه ووفقًا للهيكل الإداري المعتمد، فإن تنظيم عمل المنظمات الدولية يقع ضمن اختصاص وزارة التخطيط والتعاون الدولي، بينما تتولى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الإشراف على المنظمات المحلية.

كما أن التنسيق العام للعمل الإنساني يرتبط بشكل وثيق بجهود الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، إلى جانب أدوار وزارة الخارجية اليمنية ووزارة الشؤون القانونية في تنظيم العلاقة مع الجهات الدولية وضمان الالتزام بالقوانين.

غير أن الواقع في الساحل يبدو منفصلًا عن هذه المنظومة، حيث يتم التعامل مع المنطقة وكأنها كيان إداري مستقل له آلياته وإجراءاته الخاصة، بعيدًا عن إشراف السلطة المحلية بمحافظة تعز.

 

غياب التنسيق

 

لا تقتصر حالة العزلة على الجانب الإداري، بل أيضاً تؤثر بشكل مباشر على كفاءة العمل الإنساني، حيث يؤدي غياب التنسيق مع الخطط الاستراتيجية للمحافظة إلى تنفيذ مشاريع لا تعكس بالضرورة أولويات الاحتياج الفعلي.

في هذا الإطار، يشير الصحفي محمد طاهر، إلى أن السلطة المحلية بمحافظة تعز كانت قد اعتمدت منذ ثلاث سنوات آلية "النافذة الواحدة"، وهي تجربة إدارية تهدف إلى تسهيل إجراءات المنظمات عبر غرفة عمليات مشتركة تضم ممثلين عن الجهات الأمنية والتنفيذية، بما يسمح بمنح التصاريح خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز ساعة واحدة.

ويؤكد طاهر في منشور له على "فيسبوك" أن هذه التجربة حازت على إشادة من عدة منظمات دولية، نظرًا لما وفرته من بيئة عمل مرنة وفعالة، غير أن هذه الآلية لا تُطبق في المديريات الساحلية، حيث يتم تجاوزها لصالح إجراءات موازية يفرضها مكتب شؤون المنظمات، ما يؤدي إلى ازدواجية في المرجعيات، ويضعف من قدرة السلطة المحلية على أداء دورها.

وتشتكي المنظمات الدولية والمحلية من تعامل مكتب شؤون المنظمات في إصدار التراخيص وتأخيره من 4 إلى 5 أيام بعد استلام الطلب، مقارنة بآلية نافذة واحدة في السلطة المحلية التي تمنح التصاريح خلال ساعة واحدة كأقصى حد.

ويشير محمد طاهر مدير وكالة الأنباء الحكومية "سبأ" في محافظة تعز، إلى أن هذه المشكلات تم طرحها في اجتماع رسمي الأسبوع الماضي بمقر المحافظة، حيث أكد أعضاء السلطة المحلية ضرورة إيجاد حلول عاجلة لتسهيل عمل المنظمات في مديريات ساحل تعز الأربع (المخا – موزع – الوازعية – وذو باب).

وفي السياق، ذكرت مصادر حقوقية لـ"المجهر" أن المكاتب الحكومية في مناطق مثل المخا والخوخة، بما في ذلك مكاتب التخطيط والشؤون الاجتماعية، باتت شبه معطلة نتيجة سحب صلاحياتها الفعلية في إدارة العمل الإنساني لصالح مكتب شؤون المنظمات.

هذا التهميش للمؤسسات الرسمية يطرح بدوره تساؤلات حول مستقبل الإدارة المحلية في تلك المناطق، كما يثير مخاوف من أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى تكريس نموذج إداري خارج إطار الدولة، يصعب لاحقاً دمجه أو تصحيحه.

 

استجابة بطيئة

 

تتفاقم هذه الإشكالية في أوقات الأزمات، كما حدث مؤخرًا مع السيول التي اجتاحت مديريات الساحل، وأدت إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة، ففي ظل كارثة إنسانية أسفرت عن وفاة العشرات وتضرر آلاف الأسر.

وأظهر الواقع بطئًا في الاستجابة نتيجة التعقيدات الإجرائية التي فرضها مكتب شؤون المنظمات الكيان غير الرسمي، في وقت كان من المفترض أن تُفعّل آليات الطوارئ الرسمية، بما في ذلك تشكيل لجان طوارئ بقرار من قيادة السلطة المحلية، وتنسيق الجهود عبر القنوات الرسمية.

وبحسب الصحفي محمد طاهر، فإن القافلة الإغاثية التي كان مقرر تسييرها الأربعاء الماضي لمواجهة تداعيات السيول، واجهت تعقيدات في منح التصاريح، ما جعل السكان في مواجهة مباشرة مع نتائج هذا الانقسام الإداري، الذي تسبب في وفاة 25 شخصًا وإصابة آخرين، وتأثر آلاف الأسر بحسب إحصائية تقرير السلطة المحلية.

ويطرح هذا الوضع تساؤلات منطقية حول الجهة المخولة قانونًا بدعوة المنظمات الدولية للتدخل في مثل هذه الحالات، فهل يملك مكتب غير معترف به رسميًا صلاحية مخاطبة وكالات الأمم المتحدة، وهل تُعد هذه الدعوات ملزمة أو معترف بها من قبل الجهات الدولية، أم أنها تمثل تجاوزًا عابراً للحدود في الإطار السيادي للدولة؟

 

قيود أمنية

 

أضافت تدخلات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة لطارق صالح، والتي يديرها من وراء الستار شقيقه عمار صالح، تعقيدات على عمل المنظمات، وفقاً لمصادر الحقوقية، فهذه التدخلات تشمل فرض قيود على تنقل الوفود الإنسانية ومراقبة أنشطتها، ما يحد من قدرتها على الوصول إلى المناطق المتضررة بسرعة.

وتجد المنظمات الدولية نفسها مضطرة للتعامل مع هذا الواقع، ما يجعلها تواجه تحديات قانونية وأخلاقية في ظل غياب وضوح في المرجعيات الحكومية، الأمر الذي يؤثر على قراراتها المتعلقة بالعمل الانساني في المناطق الساحلية.

وقد يدفعها ذلك وفق مراقبين، إلى تقليص أنشطتها أو إعادة تقييم وجودها هناك كما حدث في مناطق سيطرة جماعة الحوثي الإرهابية، بسبب تدخلات المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية والتعاون الدولي "سكمشا" قبل أن يتم إلغاءه، وهو الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على السكان المحليين الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

كما تثير هذا التداخلات تساؤلاً أعمق حول طبيعة السلطة في ساحل تعز، وما إذا كانت تخضع فعليًا للقوانين اليمنية، أم أنها تمثل نموذجًا لكيان غير رسمي، يدير شؤونه بمعزل عن مؤسسات الدولة.

إلى جانب أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على المدى البعيد، ليس فقط على مستوى العمل الإنساني وإنما أيضًا على وحدة الدولة ومؤسساتها، فوجود كيانات موازية تمارس صلاحيات سيادية، يفتح الباب أمام مزيد من الانقسام ويقوض جهود بناء مؤسسات الدولة.

 

اعتبارات غير إنسانية

 

ما يجري في مديريات ساحل تعز يمثل نموذجًا معقدًا لتضارب الصلاحيات الإدارية، حيث تصطدم الاحتياجات الإنسانية بالاعتبارات السياسية، في بيئة تفتقر إلى الوضوح القانوني والمؤسسي.

وبالعودة إلى التوترات الأمنية التي اندلعت في الوازعية نهاية العام الماضي، فقد بدأت باحتجاج الأهالي على ما وصفوه بـ"التلاعب في كشوفات المساعدات"، وهو ما يشير إلى طابع معين في إدارة مكتب شؤون المنظمات للعمل الإنساني أثار احتقاناً محلياً لدى الأهالي.

وبينما تتصاعد الأصوات المطالبة بإصلاح هذا الوضع، يقف مجلس القيادة الرئاسي والحكومة أمام التزام قانوني وأخلاقي بإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة في تلك المناطق، وتفعيل دورها في إدارة العمل الإنساني وفق الأطر القانونية المعتمدة، بما يضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها بكفاءة وشفافية، وبعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.