من ستوكهولم إلى مسقط.. لماذا يتعثر إغلاق ملف الأسرى والمعتقلين في اليمن بشكل نهائي؟ (تقرير خاص)

من ستوكهولم إلى مسقط.. لماذا يتعثر إغلاق ملف الأسرى والمعتقلين في اليمن بشكل نهائي؟ (تقرير خاص)

منذ سيطرة جماعة الحوثي الإرهابية على العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014م، وتحول الصراع في اليمن إلى حرب مفتوحة في عام 2015 بين الجماعة والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، برز ملف الأسرى والمختطفين والمعتقلين كواحد من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً في النزاع.

وعلى الرغم من أن هذا الملف يُفترض أن يكون الأقل حساسية سياسياً مقارنة بالملفات العسكرية والأمنية، إلا أن مسار التفاوض حوله كشف عن حجم التعقيد السياسي والإنساني للصراع اليمني، في ظل استمرار استخدام هذا الملف كورقة ضغط سياسية وعسكرية، خصوصاً من جانب جماعة الحوثي التي تتهمها جهات سياسية وحقوقية بتعمد المماطلة واحتجاز آلاف اليمنيين كرهائن لخدمة أجنداتها السياسية.

وتشير تقارير منظمات حقوقية ومصادر مطلعة على ملف الأسرى إلى أن عدد الأسرى والمعتقلين المرتبطين بالنزاع اليمني يقترب من عشرين ألف شخص، موزعين بين الطرفين، بينهم مدنيون وسياسيون وصحفيون ونشطاء، إلى جانب أسرى عسكريين.

ومع أن المجتمع الدولي سعى منذ سنوات إلى دفع الأطراف نحو حل هذا الملف باعتباره خطوة إنسانية تمهد لأي تسوية سياسية شاملة، إلا أن التجربة العملية للمفاوضات أظهرت أن الطريق إلى إغلاق هذا الملف ما يزال شائكاً.

 

بداية متعثرة

 

بدأت أول محاولة لمعالجة ملف الأسرى بشكل شامل خلال مشاورات السلام التي عُقدت في العاصمة السويدية ستوكهولم في ديسمبر/كانون الأول 2018 برعاية الأمم المتحدة، حيث أعلن الطرفان التوصل إلى اتفاق يتضمن تبادل جميع الأسرى والمحتجزين وفق مبدأ "الكل مقابل الكل"، كما نص الاتفاق على إنشاء آلية تنفيذية بإشراف الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر لتسهيل عملية التبادل.

وقد لقي الاتفاق حينها ترحيباً دولياً واسعاً، إذ اعتُبر خطوة إنسانية كبيرة يمكن أن تفتح الباب أمام تهدئة أوسع في اليمن، غير أن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما ظهرت الخلافات حول كيفية تنفيذ الاتفاق، خصوصاً فيما يتعلق بقوائم الأسرى والمعتقلين.

وقالت الحكومة اليمنية حينها، إن جماعة الحوثي أدرجت في قوائمها أسماء غير موجودة أو مكررة، كما أدرجت مدنيين ومفقودين ضمن قوائم الأسرى العسكريين، وهو الأمر الذي جعل الحوثيون يزعمون أن الحكومة الشرعية لم تكشف عن مصير بعض المحتجزين لديها.

وبسبب هذه الخلافات تحول الاتفاق من آلية تنفيذية واضحة إلى إطار تفاوضي عام، دون أن يتمكن الطرفان حتى اليوم من تطبيق مبدأ "الكل مقابل الكل" كما نص عليه الاتفاق.

وفي فبراير/شباط 2019 استؤنفت المحادثات بشأن ملف الأسرى في العاصمة الأردنية عمّان، حيث عُقدت اجتماعات بإشراف مكتب المبعوث الأممي، لمراجعة قوائم الأسرى التي قدمها الطرفان، في محاولة لتدقيق الأسماء وتقليص الفجوة بين القوائم المتبادلة.

لكن تلك الجولة لم تحقق اختراقاً حاسماً، إذ استمرت الخلافات حول تعريف الأسرى والمعتقلين، خصوصاً ما يتعلق بالمختطفين السياسيين والصحفيين الذين اعتقلتهم جماعة الحوثي بعد سيطرتها على صنعاء.

 

انفراجات متقطعة

 

بعد أكثر من عام من المفاوضات المتقطعة، شهد الملف أول اختراق كبير في أكتوبر/تشرين الأول 2020، عندما نفذ الطرفان أكبر عملية تبادل أسرى منذ اندلاع الحرب.

ففي يومي 15 و16 أكتوبر جرت عملية تبادل واسعة بإشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، شملت أكثر من ألف أسير من الطرفين، وتم نقل الأسرى عبر رحلات جوية بين صنعاء وعدن وسيئون، في مشهد إنساني لاقى ترحيباً واسعاً داخل اليمن وخارجه.

وقد اعتُبرت تلك العملية خطوة إنسانية مهمة أعادت مئات الأسرى إلى عائلاتهم بعد سنوات من الاحتجاز، لكنها لم تغلق الملف بالكامل، إذ بقي آلاف الأسرى خارج الصفقة، كما استُبعدت منها شخصيات سياسية بارزة، أبرزها القيادي السياسي محمد قحطان، الذي ما يزال مصيره مجهولاً حتى اليوم.

ومع استمرار الحرب وإعاقة المسار السياسي، عاد ملف الأسرى إلى طاولة المفاوضات مجدداً في مارس/آذار 2023، عندما عقدت جولة جديدة من المحادثات في سويسرا برعاية الأمم المتحدة، حيث أعلن الطرفان التوصل إلى اتفاق يقضي بتبادل نحو 880 أسيراً ومعتقلاً من الجانبين.

وقد نُفذت الصفقة بالفعل في منتصف أبريل/نيسان 2023 عبر عمليات نقل جوي متعددة بإشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وشملت كذلك سعوديون وسودانيون كانوا ضمن قوات التحالف العربي.

وفي عام 2024 استضافت سلطنة عُمان جولة جديدة من المفاوضات في العاصمة مسقط استمرت نحو أسبوع، وانتهت في السادس من يوليو/تموز من ذلك العام باتفاق مبدئي على عقد جولة تكميلية بعد شهرين لمواصلة النقاش حول قوائم الأسرى، غير أن تلك الجولة التكميلية لم تُعقد لاحقاً، ليعود الملف إلى حالة الجمود مجدداً، في ظل استمرار للحوثيين بالمسؤولية عن تعثر المفاوضات.

 

تعثر جديد

 

مع نهاية العام 2025 عاد ملف الأسرى إلى الواجهة مرة أخرى عندما استضافت سلطنة عُمان جولة مفاوضات جديدة استمرت نحو اثني عشر يوماً، وفي 23 ديسمبر/كانون الأول 2025 أُعلن التوصل إلى اتفاق جديد يقضي بتبادل آلاف الأسرى بين الطرفين، من بينهم نحو 1700 أسير من الحوثيين مقابل إطلاق سراح 1200 أسير من القوات الحكومية.

وفي التطورات الأخيرة، كشفت مصادر خاصة عن تمديد المشاورات الجارية في العاصمة الأردنية عمّان بين وفدي الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وجماعة الحوثي، بعد أن كان من المقرر اختتامها الخميس الماضي.

وذكرت المصادر أن المشاورات جرى تمديدها لمدة أسبوع إضافي عقب تعثر التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الأسماء والقوائم الخاصة بعملية تبادل المحتجزين، مشيرةً إلى أن الاجتماعات المنعقدة في عمّان لم تُحرز تقدماً كافياً يفضي إلى إقرار القوائم النهائية للمفرج عنهم، رغم تسجيل تقدم جزئي في بعض الجوانب الفنية، الأمر الذي استدعى منح الأطراف مهلة إضافية لإتاحة فرصة لإحداث اختراق محتمل خلال الأيام المقبلة.

وأوضحت المصادر أن الجولة الحالية هدفت إلى إجراء مناقشات فنية وتبادل قوائم الأسرى والمحتجزين تمهيداً للاتفاق على آلية التنفيذ، غير أن تصلب مواقف الأطراف حال دون تحقيق الحد الأدنى من الالتزامات التي تم التوافق عليها خلال جولة المشاورات السابقة في مسقط.

وفي هذا الإطار، قال المحامي عبدالله سلطان شداد، رئيس الفريق الوطني للوساطة المحلية، إن تنفيذ صفقة تبادل شاملة وفق مبدأ "الكل مقابل الكل" يواجه صعوبات كبيرة، مؤكداً أن السبب الرئيسي في ذلك يتمثل في وجود عدد من الأسماء التي لا يزال مصيرها مجهولاً، رغم إدراجها ضمن كشوفات الأسرى والمعتقلين.

وأوضح شداد في حديثه لـ"المجهر" أن جماعة الحوثي تبدي اهتماماً أكبر بمعرفة مصير بعض الأشخاص الذين تبحث عنهم أكثر من اهتمامها بتنفيذ صفقات تبادل شاملة، في حين ترفض في المقابل الكشف عن مصير السياسي محمد قحطان، وهو أحد أبرز القيادات السياسية المختطفة منذ سنوات.

وأكد شداد أن عدم الاستجابة لإنهاء هذه المشكلة الإنسانية المتمثلة في إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين المدنيين يعد مؤشراً على صعوبة التفاهم في الملفات الأخرى العسكرية والأمنية والسياسية.

وأضاف أن الملف يحتاج إلى جهود مكثفة في الوساطة والتواصل بين الأطراف، مشيراً إلى أن ضعف الوساطة المحلية والدولية خلال الفترة الأخيرة ساهم في تعقيد الملف.

 

إفراغ السجون

 

يرى المحامي عبدالله شداد أن معالجة ملف الأسرى تتطلب إظهار حسن نية حقيقية من خلال إفراغ السجون والمعتقلات من الأسرى والمعتقلين وضمان وقف الاعتقالات الجديدة، مشيراً إلى أن استمرار الاعتقالات تحت مبررات وتهم واهية أدى إلى إضعاف الحماس لإجراء مزيد من المفاوضات وإبطاء تنفيذ صفقات التبادل.

وأضاف أن المطلوب هو وقف حملات الاعتقالات المستمرة ضد المدنيين، وأن أي شخص يُشتبه به يجب التحقيق معه ثم إطلاق سراحه أو إحالته إلى القضاء خلال فترة وجيزة إذا ثبت تورطه في أعمال مخالفة للقانون.

كما اقترح شداد آلية عملية لتجاوز الخلاف حول الأسماء المجهولة المصير، تقوم على تأجيل التبادل في عدد محدود من الحالات إلى حين الكشف عن مصير المفقودين، على أن يتم في المقابل تنفيذ صفقات تبادل لبقية الأسرى.

وأكد أن هذه الآلية يمكن أن تسهم في إنهاء معاناة آلاف الأسرى وعائلاتهم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حق المفقودين في معرفة مصيرهم.

 

ورقة ابتزاز

 

يشير مدير مركز البلاد للدراسات حسين الصوفي، إلى أن جماعة الحوثي تتعامل مع ملف المختطفين باعتباره ورقة ابتزاز سياسي وأمني أو حتى لتقديم خدمات لأطراف أجنبية.

وقال الصوفي في حديثه لـ"المجهر" أن سلوك الجماعة منذ بداية الحرب يؤكد هذا التوجه، مبيناً إلى أن الحوثيين يتعاملون مع اليمنيين كرهائن.

وأضاف "هذا ما تثبته جولات التفاوض طوال السنوات العشر، إضافة إلى سلوك الاختطاف من حيث الأساس حيث تعتبر اليمنيين مجرد رهائن، ومع كل جولة تفاوض أو الاقتراب من توقيع اتفاقات يتعمد الحوثيون تنفيذ حملات اختطافات واسعة".

وأشار الصوفي إلى أن الجماعة تتعمد المماطلة في الجولة الحالية من المفاوضات تبعاً لتطورات المشهد الإقليمي عقب الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، متوقعاً أن الحوثيين قد ينقلبون على كل ما تم الاتفاق عليه إذا اقتضت المصلحة الإيرانية.

كما يرى الصوفي أن هذا الواقع يكشف أيضاً عن مأزق يواجه المفاوض الحكومي، إذ إن الحكومة اليمنية تعاملت خلال السنوات الماضية مع ملف المختطفين باعتباره ملفاً ثانوياً، وهو ما يفسر التراخي خلال الفترات السابقة وعدم الإصرار على تنفيذ الاتفاقات السابقة.

وأكد أن هذا التراخي ساهم في تعقيد الملف وإطالة أمد معاناة آلاف الأسر اليمنية التي تنتظر عودة أبنائها إلى منازلهم.