لا تحتاج المواقف السياسية إلى خطابات فهلوانية أو تنظيرات معقدة لتُحدث أثرها البالغ، في ظل المشهد اليمني المُثقل بالتجاذبات السياسية وحالة التشظي التي طالت بنية مؤسسات الدولة.
أحياناً، تكفي كلمة صادقة لتُسقط الكثير من الأقنعة، وتُعيد تذكير الجميع بأساسيات العمل الوطني ومعنى الانتماء لمؤسسات الدولة القائمة، وهذا ما تجلى بوضوح في الكلمة التي ألقاها عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي ،الأربعاء، خلال مخاطبته قيادة السلطة المحلية في محافظة لحج.
الفريق الصبيحي قال بوضوح لا يقبل التأويل "علينا رفع علم الجمهورية اليمنية وصور رئيس الدولة، علينا الاعتزاز بهويتنا اليمنية، وعندما ننفصل وقتها نرفع العلم الذي نشتيه" في إشارة للأصوات التي تطالب بانفصال الجنوب.
وبهذه الكلمات أنعش الرجل الذاكرة الوطنية، وأثار موجة من النقاشات العميقة والردود المتباينة التي تصدرت المشهد الإعلامي والسياسي في وسائل الإعلام ومن على منصات التواصل الاجتماعي.
نرصد هنا انطباعات النخب، من سياسيين وبرلمانيين وصحفيين وباحثين، لاستعراض كيف تم تشخيص جوهر هذه الكلمة، وكيف عرّت ازدواجية المعايير لدى البعض، وأعادت الاعتبار لمفهوم "هيبة الدولة" ورمزيتها السيادية.
شخصية جامعة
قبل الخوض في قراءة ردود الأفعال، من الأهمية بمكان التوقف أمام الخلفية التي تنطلق منها هذه الكلمة، والمتمثلة في التركيبة الشخصية والنضالية للفريق الركن محمود الصبيحي، حيث لا يمكن فصل الكلمة عن قائلها، فالصبيحي يمثل حالة استثنائية تتجسد فيها قيم الجندي الحقيقي الخادم للوطن ومبادئ رجل الدولة الواضح والصريح.
كما يُعرف الفريق الصبيحي بأنه صاحب مبدأ ويحمل قضية وطنية راسخة لا تتزعزع بتغير المصالح السياسية، فهو الرجل الذي اصطف بوضوح مع الثوابت الوطنية والقضايا المصيرية لليمن، واضعاً مصلحة الوطن والدولة فوق كل اعتبار مناطقي أو شخصي، ولم يكن يوماً من هواة المناصب أو المتهافتين على أضواء السلطة.
لقد خرج الصبيحي من سنوات الأسر الطويلة والقاسية في سجون الحوثيين أشد صلابة وأكثر حضوراً، ليثبت أن جدران المعتقلات لا يمكن أن تكسر إرادة الشجعان المخلصين.
وهذا كله هو من يعطي أعطت كلمته أمام السلطة المحلية في حج هذا وزناً ثقيلاً وتأثير عميقاً في مسامع اليمني، بما يجعل منها بوصلة لكل من تاهت بهم دروب السياسة.
الأبعاد السياسية والدستورية
التقطت النخب السياسية والبرلمانية جوهر رسالة الفريق الصبيحي، واضعة إياها في إطارها الدستوري والقانوني الصحيح، فقد نظر عضو مجلس النواب اليمني علي عشال، إلى الكلمة باعتبارها "موقفاً وطنياً واضحاً يستحق التقدير"، مؤكداً أن الصبيحي بكلمته تلك وضع حدّاً حاسماً للعبث برمزية الدولة.
ولامست ردود الأفعال السياسية وتراً حساساً يتعلق بـ"مظاهر السيادة"، فالعلم الوطني كما يرى المشرعون والسياسيون، ليس مجرد قطعة قماش تُرفع أو تُنزل حسب المزاج السياسي للمسؤول، وإنما هو الإعلان الأسمى والأكثر دلالة على وجود الدولة وسيادتها وهويتها وإرادتها.
وقد شخص البرلماني عشال هذه الحالة بعمق، معتبراً أن احترام هذه المظاهر ليس "ترفاً بروتوكولايا"، بقدر ما هو واجب سياسي وأخلاقي وقانوني يقع على عاتق كل من أقسم اليمين الدستورية وتولى مسؤولية في مؤسسات الدولة.
والتهاون في رفع علم الجمهورية اليمنية داخل المؤسسات، كما أشار المراقبون تعليقاً على موقف الصبيحي، يُعد تفريطاً مباشراً في هيبة الدولة، ويشرعن لحالة من الانفلات الرمزي الذي يمهد حتماً لانفلات أعمق كاد أن يضرب بنية المؤسسات ويفقد المواطن ثقته بها.
من هنا، جاءت كلمة الصبيحي لتذكر من تناسوا بأن الدولة تقوم بصون هيبتها واحترام رموزها، وأن من يرتضي لنفسه أن يكون جزءاً من بنية الدولة ويتقاضى امتيازاتها، عليه أن يكون الحارس الأول لرمزيتها، لا المعول الذي يهدم ركائزها من الداخل بوهم الشعارات.
منطق الدولة
تناول باحثون وصحفيون، الكلمة من زاوية التناقض الفادح الذي يعيشه البعض داخل أروقة السلطة، حيث وصف رئيس الدائرة الإعلامية لحزب الإصلاح بتعز أحمد عثمان، حديث نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي بأنه يمثل "منطق الدولة" الخالص.
فقد عبر الصبيحي بصيغة جمعت بين السخرية المبطنة والصرامة المباشرة عن استغرابه من تغييب العلم الوطني في لقاء رسمي، ليضع بذلك "النقاط على الحروف" كما قال عثمان.
وتتبلور هنا تبلور فكرة استحالة الجمع بين التمتع بامتيازات الوظيفة العامة والتنكر لهوية الدولة التي تمنح هذه الوظيفة، فيرى أحمد عثمان أن الانفصال كمشروع سياسي، له مساراته وإجراءاته المحلية والدولية، ولكن حتى يحين ذلك الوقت، فإن العبث بالرموز السيادية داخل مؤسسات الدولة يُعد تمرداً إدارياً وسياسياً.
واعتبر عثمان أن رفع علم بديل أو تعمد تغييب العلم الوطني من قبل موظف عام هو جمع مُحرّم بين الانتماء للدولة وممارسة الانفصال في وقت واحد، وهو عبث يجب أن تتداعى مؤسسة الرئاسة مجتمعة لإنهائه، مقدراً مبادرة الصبيحي في قرع جرس الإنذار بقوة.
من زاوية أخرى، يرى الصحفي عبدالرحمن أنيس أن الكلمة فيها تعرية لواقع مرير يعيشه الشارع بسبب الخطاب المزدوج لبعض القيادات، معتبراً أن مشكلة الفريق الصبيحي الحقيقية تكمن في كونه صادقاً في زمن ومحيط اعتاد فيه البعض على تلقي الأوهام والشعارات الرنانة.
وعكست ردود الأفعال هنا بحسب الصحفي أنيس، حالة الامتعاض من ممارسات قيادات تبيع للجمهور شعارات استهلاكية تخديرية، مثل وعود بقرب تحقيق الانفصال التي كان يسوّق لها قيادات المجلس الانتقالي المنحل، بينما على أرض الواقع تستغل هذه القيادات ذات الشعارات والمناصب الحكومية لمراكمة الثروات الشخصية وامتلاك القصور والسيارات الفارهة.
ويؤكد سياسيون أن كلمة الصبيحي بوضوحها في اجتماع كهذا أثبتت أن القيادة الحقيقية لا تبني مجدها على دغدغة العواطف بجرعات الوهم، وإنما بالمكاشفة واحترام العقول والعمل وفق الممكن والمتاح دستورياً ووطنياً.
إنعاش للذاكرة
بلغت ردود الأفعال ذروتها في كتابات بعض الصحفيين الذين استخدموا لغة قاسية ومباشرة لفضح النفاق السياسي، كرد فعل على الحملات الموجهة ضد الفريق الصبيحي بعد كلمته.
وتناول الصحفي اليمني ورئيس تحرير صحيفة عدن الغد فتحي بن لزرق، القضية من منظور تاريخي قريب، مذكراً بـ "ذاكرة السمكة" التي يعاني منها البعض، منبهاً إلى أن المزايدين على الصبيحي بأنهم هم أنفسهم من رفعوا علم الجمهورية اليمنية في عدن وباشروا مهام أعمالهم تحت ظله عندما كانت مصالحهم تتطلب ذلك، ومضيفاً بسخرية عندما كانت "كروشهم مليئة من مال الدولة".
وأشار بن لزرق إلى ازدواجية المعايير حيث يصبح العلم الذي كان بالأمس مظلة للامتيازات والمناصب والرحلات الدبلوماسية إلى أروقة الأمم المتحدة، هو خيانة اليوم بنظرهم عندما تتوقف المكاسب المادية ومخططات الأراضي.
وهذا التشخيص وفقا للصحفي بن لزرق، يعكس الأثر العميق لكلمة الصبيحي التي عملت كصاعق كهربائي لا بد منه لإنعاش ذاكرة الناس، ودفعهم لسؤال تلك القيادات المزايدة "ماذا قدمتم للناس طوال السنوات الماضية سوى رفع الشعارات؟ هل بنيتم مؤسسات؟ هل تركتم أثراً تنموياً؟".
وأكد أن الفريق الصبيحي لم يكن هو من أفشل مشاريع هؤلاء أو دمرها، مشيراً إلى فشلهم الإداري وانشغالهم بالمكاسب الضيقة والنهب والتدمير هو ما أسقطهم، وأن محاولتهم التخفي خلف المزايدة على رمزية العلم لن تنجح في ظل وجود وعي وطني متنامٍ.
بطولة الصبيحي
لم تخلُ ردود الأفعال من تصدي النخب لمحاولات بعض الأطراف استهداف شخص الفريق الصبيحي والنيل من تاريخه عبر استدعاء لحظة أسره في جبهات العند، وقد أثار هذا الاستهداف حفيظة كثير من الصحفيين والناشطين الذين دافعوا عن تاريخه، محولين تلك المحاولات البائسة إلى منصة لسرد بطولاته.
وتناول الصحفي خليل العمري والصحفي والناشط الحقوقي حمزة الجبيحي، هذه الزاوية بالتفصيل، مشيرين إلى أن اختزال تاريخ قائد بحجم الصبيحي في لحظة انهيار للجيش وخيانة لبعض الرفاق هو تجنٍ واضح.
وأكدا أن الصبيحي وقع في الأسر لأنه كان مقبلاً غير مدبر، يتقدم جنوده في خطوط النار الأولى ببسالة نادرة، رافضاً سياسة الزج بالجنود في المحارق والهروب كما يفعل دعاة الشعارات الوهمية.
وهذا الموقف أيده كذلك الناشط الشبابي إبراهيم الجبري، الذي استدعى حادثة حقيقية تؤكد معدن الصبيحي، حين رفض مغادرة موقعه الميداني في عدن رغم تحليق الطائرات المسيرة الحوثية واستهدافها المباشر لموقعه.
وأكد الجبري أن رد الصبيحي حينها جسد أسمى معاني القيادة، حيث قال "لن أغادر الميدان، لأن تراجعي قد يؤثر على معنويات الأفراد.. والمصير واحد في مواجهة المليشيات".
هذه الشواهد التي استدعتها النخب السياسية والإعلامية، تؤكد أن الهجوم على الصبيحي اليوم ليس بسبب خطأ ارتكبه، وإنما لكونه يمني حقيقي، ورمز وطني، يربك حضوره الطاغي وصراحته الجارحة حسابات أصحاب مشاريع التشظي والنهب، ويفضح عجزهم أمام الجماهير.
المشروع الوطني
في المحصلة، تُظهر آراء النخب أن كلمة الفريق الركن محمود الصبيحي في لحج كانت إعلاناً سياسياً مدوياً أعاد رسم الخطوط الفاصلة بين مفهوم "الدولة" ومفهوم "اللا دولة".
وقد لاقت الكلمة صدىً إيجابياً وعميقاً لدى كل من يؤمن بالمؤسسية واحترام الدستور، حيث رأوا فيها صوتاً للعقل، وموقفاً شجاعاً من رجل عركته الميادين والمحن ولم تزده إلا ثباتاً على المبدأ.
في المقابل، أحدثت الكلمة زلزالاً في أوساط المتاجرين بالشعارات، لأنها وضعتهم أمام مرآة الحقيقة وكشفت زيف ادعاءاتهم وتناقضهم الصارخ بين التمتع بخيرات الدولة وهدم رموزها.
ويؤكد الاصطفاف مع موقف الصبيحي بما لا يدع مجالاً للشك، أن اليمن ورغم كل الجراح والتشظي، لا يزال يمتلك قادة بحجم الوطن، قادة يدركون أن شرف المنصب يكمن في صون الأمانة وحراسة هيبة الدولة والوقوف بشجاعة في وجه العبث، ليبقى العلم الوطني مرفرفاً كإعلان دائم عن إرادة لا تنكسر وهوية لا تمحى.
تابع المجهر نت على X
