الأهداف غير المرئية لدخول الحوثيين المعركة الإقليمية لإسناد إيران

أمس السبت أطلق الحوثيون أول دفعة صاروخية باتجاه فلسطين المحتلة، إيذانا بدخولهم طرفا في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وبإسهام سيبلغ أقصى تأثيراته، ليس من خلال الصواريخ والمسيرات البعيدة المدى، ولكن في التعطيل المحتمل للملاحة البحرية عبر جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وفي توقيت لا يشير فقط إلى حاجة إيران إلى تعقيد المشهد العسكري، ولكن أيضا يتوخى تكريس وضع جيوسياسي في اليمن، قد ينشأ عن نتائج الحرب الإقليمية، إما في صورة نفوذ مستدام للمشروع الحوثي أو نهاية محتملة لهذا المشروع.

 

يدخل الحوثيون هذه المعركة، ضمن اصطفاف مختلف تماما عن ذلك الذي مثلته معركة إسناد غزة، والذي غطت عوائده المعنوية على الكم الهائل من الخسائر في الرأسمال المادي والعسكري للحوثيين. هذه المرة يدفع الحوثيون باليمن المنهك المثقل بالفقر إلى أتون معركة تنصرف بشكل كامل لصالح طرف إقليمي لا يتمتع بأي قبول لدى اليمنيين، مما يعيد تأطيرهم في وعي اليمنيين كذراع فعلي لإيران.

 

لكن هذه النظرة الأولية قد لا تبدو شاملة، فالدخول المتأخر للحوثيين في المعركة رغم كونه مخاطرة كبيرة وقفزا فوق عقبات وتحديات خطيرة على الصعيد الداخلي، فإنه ما من شك مدفوع بقلق وجودي بالنسبة لهم. لهذا سيتوخى تدخلهم المتأخر في الحرب تحقيق أهدافا عديدة مهمة وبعضها غير مرئي للبعض، ومنها إسناد إيران وتعزيز موقفها العسكري والتفاوضي، وتكريس الوضعية الجيوسياسية للحوثيين كطرف إقليمي عابر للحدود، يمكن للحرب أن تحرره من الالتزامات الأساسية تجاه الأزمة والحرب في اليمن.

 

ومن الأهداف الملحة لدخول جبهة اليمن في الحرب، خلق تحديات جوهرية أمام المملكة العربية السعودية، في حال فكرت في الانضمام للحرب الإقليمية، رغم توفر الذرائع الكافية من الجانب الإيراني لتبرير تدخل سعودي محتمل في هذه الحرب، وفي طليعة هذه التحديات تفعيل منصة إطلاق الصواريخ والمسيرات من جهة اليمن، والأهم من ذلك تعطيل الملاحة عبر باب المندب.

 

لا يمثل دخول الحوثيين المعركة إلى جانب إيران ضمن الإسهام المباشر لأذرع إيران في كل من العراق ولبنان؛ الرابط الوحيد لليمن بهذه الحرب وبنتائجها المحتملة، فهناك رابط آخر يمثله التماس المباشر للسعودية بهذه الحرب. فالرياض التي تتعمد بعض وسائل الإعلام الغربية تكريسها إما طرفا محرضا على الحرب أو مشاركا محتملا فيها، معنيةٌ بشكل كبير جدا بالجبهة اليمنية الناشئة في خضم الحرب الإقليمية الراهنة. وهذه المرة سيتعين عليها تبني مقاربة عسكرية وأمنية وسياسية أكثر ديناميكية تجاه اليمن، لا كدولة تعاني من حرب داخلية وصراع على السلطة وعلى شكل الدولة وهوية النظام السياسي، ولكن أيضا باعتبارها جبهة عسكرية في معركة إقليمية، ستقرر حتما مصير المنطقة لعقود قادمة.

 

لطالما أدارت السعودية الملف اليمني بنفس طويل، وبنت خطتها على أساس التحييد الكامل للقوى الوطنية، ولإرادة الشعب اليمني التي تدور حول هدف استعادة الدولة وحماية مكتسباتها، ودحر التهديدات الخطيرة التي تمثلها الهوية الطائفية للانقلاب الحوثي في صنعاء والمشروع الانفصالي في جنوب البلاد؛ الذي ترعرع وقوي عوده بفضل الدعم السخي المقدم من الإمارات تحت أنظار السعودية.

 

هذه المرة ثمة خطر حقيقي يستوجب تغيير المقاربة السعودية، لتجنب النتائج الجيوسياسية الوخيمة للحرب الإقليمية، في ظل إصرار إيران على فرض شرط التسوية الشاملة في كل الجبهات، مما يعني تحصينا محتملا لأذرعها وتكريسا لنفوذها السياسي والعسكري الأمني في كل من العراق ولبنان واليمن.

 

إن أهم ما يجب على السعودية أن تفعله في خضم هذه الحرب، أن تظهر التزاما لا لبس فيه تجاه اليمن، من خلال العمل بكل السبل الممكنة لتحقيق الأهداف المنصوص عليها في قرارات مجلس الأمن والتوافقات والمرجعيات الوطنية، وإنهاء الانقسام المصمم إقليميا في بنية وهرم السلطة الشرعية، وتعزيز المكانة الرئاسية لرئيس مجلس القيادة الرئاسي حتى الانتهاء من كامل الاستحقاقات، وتأمين القدر الكافي من الضغط السياسي والعسكري الذي يجب أن يعيد الحوثيين إلى الدائرة الوطنية، ويحملهم أعباء الانخراط المغامر في معركة لا تستند إلى إرادة وطنية موحدة، وتغامر بما تبقى من مقدرات وبنى تحتية واقتصاد هش.

 

وأول خطوة في هذا الاتجاه هو العمل بأسرع وقت ممكن لتوحيد القوى والموارد العسكرية، وإنهاء الضيم الكبير الذي مُورس ولا يزال يُمارس بحق الجيش الوطني، وإنهاء الوضعية الشاذة للتشكيلات العسكرية التي كانت قد تأسست لدعم المشروع الانفصالي ولتنفيذ المهام العابرة للحدود والقتال بالوكالة دون سقف وطني.

 

وخلاصة القول، إن المخاوف اليمنية السعودية في أجواء الحرب الإقليمية الراهنة باتت مشتركة، وهي مخاوف وجودية، بما يكفي لأن تتجاوز معها الرياض عقدة الصواريخ والطائرات المسيرة التي وقعت تحت وطأتها منذ خريف العام 2019، والتصرف بمسؤولية وشجاعة بشأن إنهاء المشكلة المزمنة في اليمن، بعد أن تلقت ما يكفي من الضربات الإيرانية على منشآتها الحيوية والعسكرية والمدنية على مدى شهر تقريبا، وتعاملت معها وتكيفت بإزائها قدرات الدولة السعودية، ليس فقط في مواجهة الخطر الإيراني، ولكن أيضا الابتزاز الذي مارسته واشنطن عبر الإدارات الديمقراطية، وعبر السلوك المضطرب والادعاءات المستفزة لترامب التي بنيت على دور الولايات المتحدة الحاسم في حماية السعودية ودول مجلس التعاون.