المناطقية في الجنوب.. حين تتحول المظلومية إلى عنصرية ضد الشماليين (تقرير خاص)

المناطقية في الجنوب.. حين تتحول المظلومية إلى عنصرية ضد الشماليين (تقرير خاص)

يقف سائق الحافلة عند نقاط التفتيش الأمنية على مداخل العاصمة المؤقتة عدن، ويُطلب من ركابه إبراز هوياتهم، وما إن يُلاحظ مكان الميلاد المدون في بطاقهم حتى تتغير نبرة الحديث.

تسألهم عناصر الأمن هناك "من أين أنت؟" وحين يجيب بأنه من تعز أو من أي محافظة شمالية، يواجهون تعبيرات عنصرية ومضايقات على أساس مناطقي، بما في ذلك مصطلح "دحباشي" الذي تحوّل من توصيف ساخر في سياقات ماضي محددة إلى أداة وصم جماعي، أصبح في بعض البيئات عنوانًا للتمييز ضد مواطنين يمنيين بسبب أصولهم الجغرافية.

وخلال السنوات الماضية، وثّقت منظمات حقوقية محلية ودولية حالات متعددة لممارسات تمييزية في بعض المناطق الجنوبية، تمثلت في؛ إيقاف مواطنين في نقاط تفتيش لفترات طويلة بسبب الانتماء الجغرافي، وحملات تحريض إعلامية تدعو إلى إبعاد العناصر الشمالية من المؤسسات العامة، ومضايقات لفظية أو اعتداءات جسدية وتحميلها ضمن سياقات توتر سياسي.

وبينما تظل القضية الجنوبية في جوهرها قضية سياسية وحقوقية ذات أبعاد متشابكة، فإن تصاعد الخطاب المناطقي ضد الشماليين، يثير تساؤلات حول إمكانية الدفاع عن قضية عادلة بأدوات عنصرية؟

والحقيقة أن دوافع سياسية قادها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل والمدعوم من دولة الإمارات، سعت لتعميم المواطن الشمالي من فرد له حقوق دستورية إلى امتداد لنظام سياسي، حتى وإن لم يكن له علاقة بتلك السياقات.

 

انحراف المسار

 

تُجمع قطاعات واسعة من النخب اليمنية على أن القضية الجنوبية نشأت في سياق اختلالات حقيقية رافقت مرحلة ما بعد الوحدة عام 1990 حتى حرب 1994، وما تبعها من انتهاج النظام بسياسات إقصاء وتهميش وإعادة توزيع للسلطة والثروة بصورة اعتبرها كثير من أبناء الجنوب مجحفة.

يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة صنعاء الدكتور عبدالباقي شمسان، أن القضية الجنوبية قضية عادلة، لها حيثياتها وكان ينبغي أن تُعالج في الإطار الوطني، مشيرًا إلى أن اليمن عانى منذ وقت مبكر مما يسميه بـ"أزمة التكامل الوطني"، أي فشل المشروع الوطني في بناء دولة حديثة قادرة على استيعاب التعدد الاجتماعي والمناطقي في إطار جامع.

هذا الفشل، وفق نظر شمسان، أفضى إلى بروز الهويات الفرعية؛ هوية جنوبية طافية، ومشروع حوثي طافٍ في الشمال، وصعود للمناطقية على حساب الانتماء الوطني الحديث، وفي الجنوب تحديدًا، تراكم شعور بالإقصاء لدى النخب والقاعدة الاجتماعية، ما خلق مزاجًا عامًا قابلًا للاستثمار السياسي.

غير أن الإشكال كما يصفه شمسان في حديثه لـ"المجهر"، يكمن في توظيف قضية عادلة لخدمة مصالح إقليمية”، في إشارة إلى تدخلات دولة الإمارات العربية المتحدة في المشهد الجنوبي بعد عام 2015، ودعمها تشكيلات عسكرية وأمنية خارج إطار الدولة، ثم دعمها لتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، بما خلق كيانًا موازٍ للسلطة الشرعية.

وهنا يبرز الخلط بين عدالة المظلومية الجنوبية من جهة، وبين تحول هذه أدواتها إلى مراكز سياسية وأمنية لممارسات تمييزية ضد أبناء المحافظات الشمالية من جهة أخرى.

 

بين القضية والمناطقية

 

الخطاب المناطقي لم يظهر فجأة، وإنما تنامى تدريجيًا عبر منظومة إعلامية وتعبوية خلقت تماثلات ذهنية خطيرة، ووفقا للدكتور عبدالباقي شمسان، فقد جرى خلق تماثل بين الوحدة وأبناء الشمال وإفشال الحكومة، بحيث أصبح من الصعب لدى قطاع من الجمهور التمييز بين إخفاقات السلطة المركزية وبين وجود مواطنين شماليين في الجنوب.

هذا التماثل الثلاثي (إفشال الحكومة، الوحدة، الشمال)، أفضى إلى محاولة شيطنة أبناء الشمال التي تحولت إلى ممارسات مادية، تمثلت في التضييق في نقاط التفتيش على أساس مناطقي، وعرقلة حرية التنقل لمواطنين بسبب لهجتهم أو بطاقاتهم الشخصية، ومضايقات في المؤسسات الحكومة، وحملات تحريض إعلامي تصف الشماليين بصفات جماعية سلبية.

وإطلاق أو تداول توصيفات جماعية تنزع الفرد من صفته القانونية كمواطن وتحصره في هوية مناطقية، يمثل وفق المعايير القانونية الدولية مدخلًا لخطاب كراهية إذا ترافق مع دعوات للإقصاء أو الحرمان من الحقوق.

ويرى شمسان أن إقامة نقاط تفتيش ذات طابع سياسي وأمني بين الشمال والجنوب، تحمل أبعاداً تعيد إنتاج حدود ما قبل الوحدة، وعندما يُعامل المواطن المختلف مناطقيًا باعتباره وافدا في جغرافيا وطنه، فإننا نكون أمام تقويض فعلي لفكرة المواطنة المتساوية.

الأخطر من ذلك حسب شمسان، أن هذه الممارسات لا تبقى أحادية الاتجاه إذ تولد احتقانًا مضادًا في الشمال، وتخلق فجوة نفسية واجتماعية يصعب ردمها لاحقًا، وهنا تتحقق مصلحة الجهات الإقليمية المستفيدة من تفجير الحقل السياسي وإضعاف الدولة الجامعة.

 

المواطنة فوق الجغرافيا

 

من منظور قانوني، تؤكد المحامية هدى الصراري رئيسة مؤسسة دفاع للحقوق والحريات، أن الدولة الحديثة تقوم على مفهوم المواطنة لا الانتماء الجغرافي كما حاول الانتقالي تحريف الوضع في المحافظات الجنوبية.

وتوضح الصراري في حديثها لـ"المجهر"، أن أي ممارسة تستهدف شخصًا لكونه شماليا أو جنوبيا، تمثل انحرافا خطيرا عن الأساس الدستوري، وأن التمييز القائم على الأصل المناطقي، إذا تحول إلى منع من العمل أو احتجاز أو إقصاء إداري، يصبح انتهاكا مزدوجا للدستور الوطني وللالتزامات الدولية.

واليمن بوصفه دولة طرفا في عدد من الاتفاقيات الدولية المعنية بمناهضة التمييز، مُلزم قانونًا بمنع أي نمط من التمييز المؤسسي، لكن عندما تتحول الممارسات الفردية إلى نمط متكرر، فإنها تكتسب صفة التمييز المؤسسي، وهو توصيف له تبعات سياسية وقانونية ثقيلة.

من حيث المساءلة، تشير الصراري إلى أن القرارات الإدارية ذات الطابع المناطقي يمكن الطعن فيها أمام القضاء الإداري، وحالات الاحتجاز أو الاعتداء تدخل في نطاق المسؤولية الجنائية، أما في حال تعذر الإنصاف محليًا، يظل باب التوثيق واللجوء إلى الآليات الدولية مفتوحًا.

كما أن من أبرز الإشكاليات المطروحة، هي كيف نوازن بين حماية حرية التعبير ومكافحة خطاب الكراهية، وهنا توضح الحقوقية هدى الصراري أن "ليس كل خطاب حاد هو تحريض"، فالنقد السياسي حتى لو كان صادمًا يندرج ضمن التعبير المشروع.

وتؤكد الصراري، أن الدعوة إلى طرد فئة من المواطنين أو حرمانهم من حقوقهم بسبب أصلهم تتجاوز الرأي إلى التحريض، ويبقى المعيار الحاسم هو؛ هل يتضمن الخطاب دعوة صريحة أو ضمنية للتمييز، وهل يحرض على العنف أو الإقصاء، وإذا توفرت هذه العناصر، فإننا أمام خطاب كراهية لا يحميه مبدأ حرية التعبير.

 

شيطنة الشمال

 

يشير أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة صنعاء عبدالباقي شمسان، إلى أن شيطنة أبناء الشمال تغذت على مفهوم مبسط لحرب 1994، باعتبارها حربًا شمالية ضد الجنوب، متجاهلة أن أطرافًا جنوبية شاركت في المعركة إلى جانب معسكر الوحدة، وأن الإقصاء الذي تلاها لم يكن مناطقيًا بحتًا وإنما ارتبط ببنية النظام السياسي آنذاك.

والمشكلة وفقا لشمسان، أن المواطن البسيط لا يستطيع التمييز بين الدولة كوحدة قانونية، وبين النظام السياسي الذي أخفق في إدارة العدالة، وعندما تُعزز هذه الضبابية بخطاب تعبوي وتمويل سياسي وإعلامي، تتشكل صورة ذهنية ترى في الشمالي تجسيدًا للمظلمة الجنوبية.

هذا التبسيط المخل يُعيد إنتاج الظلم بصورة معكوسة كما قالت المحامية هدى الصراري، فبدلًا من معالجة اختلالات الماضي في إطار الدولة والقانون، يُعاد توجيه الغضب نحو مواطنين لا علاقة لهم بصنع القرار السابق.

وأي مشروع يطالب بالعدالة أو حتى تقرير المصير كما تؤكد الصراري، يُقاس دوليًا بمدى التزامه بحقوق الإنسان للجميع، فإذا ارتبطت صورته بخطاب إقصائي، فإن ذلك يُضعف صدقيته حتى لو كانت مطالبه مشروعة.

كما من يطالب بالإنصاف، عليه أن يُبرهن أنه لن يُعيد إنتاج الظلم في صورة معكوسة، فالمعادلة الأخلاقية بسيطة، فلا يمكن بناء حق على انتهاك حق آخر.

 

إعادة بناء الوعي

 

يؤكد عبدالباقي شمسان على أن النخب السياسية قادرة نظريًا، على تفكيك هذا الخلط، عبر، الفصل بين المظلومية الجنوبية المشروعة وبين توظيفها الإقليمي، وتوضيح الفارق بين إفشال الحكومة وبين مشروع الدولة الموحدة، تجسير الفجوة النفسية التي خُلقت بين الشمال والجنوب.

غير أن نجاح هذا الدور مرهون بوجود دولة فاعلة قادرة على تقديم الخدمات، وبسط سيطرتها الأمنية، وعقد مؤسساتها الدستورية (مجلسي النواب والشورى)، فغياب الدولة وفقا لشمسان، يدفع الجماهير إلى الاحتماء بالهويات ما قبل الوطنية؛ وهي القبيلة، المنطقة، والطائفة، أما إذا ما شعر المواطن بوجود دولة عادلة، فإن الحاجة إلى الاحتماء بالهوية الضيقة تتراجع.

وتبقى محاربة العنصرية والمناطقية شرطًا لبقاء الدولة، ويؤكد الدكتور عبدالباقي شمسان أن المطلوب اليوم مقاربة سياسية، تتمثل بإعادة تعريف القضية الجنوبية ضمن إطار وطني جامع يضمن الحقوق دون تقويض المواطنة المتساوية.

كما أن هناك جانب قانوني وإعلامي ومجتمعي يُفهم من خلال تفعيل آليات المساءلة ضد أي ممارسات تمييزية، وتجريم خطاب التحريض، وتعزيز خطاب المواطنة، وإطلاق مبادرات حوار وتعايش تعيد بناء الثقة بين الشمال والجنوب.

والتمييز ضد الشماليين في بعض مناطق الجنوب أياً كانت مبرراته السياسية، يظل انتهاكًا لمبدأ المواطنة، ويشكل خطرًا على النسيج الوطني، في النهاية لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا بُني على الإقصاء. فإما أن تُستعاد فكرة الدولة بوصفها إطارًا جامعًا يحمي الجميع دون تمييز، أو يُترك المجال للهويات الضيقة لتتفوق على المواطنة، بما يهدد السلم الاجتماعي ويطيل أمد الصراع.

ولابد من التذكير هنا أن إنهاء التمييز المناطقي لا يتناقض مع الدفاع عن الحقوق الجنوبية بل يحميها من الانحراف، فالقضية الجنوبية بوصفها قضية حقوق، تفقد جوهرها إذا تحولت إلى أداة لانتهاكات ضد مواطنين آخرين.