دراسة: تحذيرات من عجز نقدي وشيك في اليمن مع تفاقم أزمة السيولة

دراسة: تحذيرات من عجز نقدي وشيك في اليمن مع تفاقم أزمة السيولة

حذرت دراسة حديثة، من تفاقم أزمة السيولة النقدية في اليمن إلى مستوى “العجز الحقيقي”، مؤكدة أن استمرار هذا الوضع ينذر بانزلاق الاقتصاد إلى حالة ركود تضخمي، في ظل اختلالات عميقة تمس بنية النظام المالي والنقدي.

وأظهرت دراسة صادرة عن مركز المخا للدراسات، وجود فجوة متزايدة بين نمو الاقتصاد والكتلة النقدية المتاحة، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بنسبة 264% خلال الفترة بين 2017 و2025 ليصل إلى أكثر من 36 تريليون ريال، في حين لم ينمُ النقد المتداول خارج البنوك سوى بنسبة 114%.

وأوضحت الدراسة التي أعدها الباحث الاقتصادي وحيد الفودعي، أن تفاقم هذا الاختلال بصورة أوضح خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يتجاوز نمو السيولة 4% بين عامي 2022 و2025، مقابل نمو في الناتج الاسمي بنحو 37% خلال الفترة ذاتها.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 30% من النقد المتداول، أي ما يعادل 981 مليار ريال، أصبح تالفًا أو فاقدًا لفاعليته، ما أدى إلى تراجع السيولة الفعلية المتاحة إلى مستويات متدنية لا تتجاوز 6.3% من الناتج المحلي، بالتزامن مع ارتفاع سرعة دوران النقد إلى نحو 15.8 مرة، وهو ما يعكس حجم الضغط على الكتلة النقدية القابلة للتداول.

كما بيّنت الدراسة أن نسبة النقد المتداول إلى الناتج المحلي تراجعت بشكل ملحوظ من مستويات تراوحت بين 15% و20% في السنوات الأولى إلى نحو 9% فقط في عامي 2024 و2025، ما يعكس تفاقم الاختناق النقدي وتراجع قدرة السيولة على تلبية احتياجات النشاط الاقتصادي.

وأرجعت الورقة البحثية جذور الأزمة إلى مجموعة من الاختلالات الهيكلية والسلوكية، في مقدمتها تركز ما بين 90% و97% من الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي، وتآكل الثقة في البنوك، واتساع سلوك الاكتناز، إلى جانب ضعف إدارة السياسة النقدية وتعثر انتظام تدفق الإيرادات العامة عبر البنك المركزي، فضلًا عن توقف صرف الرواتب الذي أدى إلى تعطّل إحدى أهم قنوات ضخ السيولة في الاقتصاد.

وأكدت الدراسة أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في نقص النقد الاسمي، بل في اتساع الفجوة بين السيولة النظرية والسيولة الفعلية القابلة للتداول، وهو ما ينعكس سلبًا على كفاءة النشاط الاقتصادي، ويرفع كلفة المبادلات، ويعمّق الانقسام النقدي، ويضعف فعالية أدوات السياسة النقدية.

وفي السياق، دعت الورقة إلى تبني حزمة إصلاحات متدرجة تهدف إلى إعادة بناء السيولة الفاعلة وتنشيط الدورة النقدية، مشيرة إلى إمكانية طباعة نحو 800 مليار ريال لأغراض إحلالية واحتياطية لاستبدال النقد التالف وتكوين مخزون محلي، على أن يتم ذلك دون اعتباره إصدارًا نقديًا جديدًا لتجنب الضغوط التضخمية.

كما شددت على أهمية استئناف صرف الرواتب، وتعزيز الثقة في الجهاز المصرفي، وتحسين توزيع السيولة، وتشديد الرقابة على القنوات غير الرسمية، إلى جانب تسريع إنشاء نظام وطني موحد للمدفوعات الرقمية.

وخلصت الدراسة إلى أن معالجة أزمة السيولة في اليمن تتطلب مقاربة شاملة تعالج جذور الاختلالات البنيوية وتعيد التوازن للدورة النقدية، محذرة من أن التأخر في تنفيذ الإصلاحات قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي وفقدان السيطرة على الاستقرار النقدي.