أزمة خفر السواحل.. قرار التغيير يصطدم بشبكات نفوذ محلية وإقليمية (تحليل خاص)

أزمة خفر السواحل.. قرار التغيير يصطدم بشبكات نفوذ محلية وإقليمية (تحليل خاص)

تحول قرار تغيير رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن للواء خالد القملي، من مجرد قرار إداري روتيني لشخص استمر في منصبة أكثر من عشر سنوات إلى قضية أثارت الجدل داخل المشهد السياسي والأمني اليمني خلال الأيام الأخيرة.

القرار كشف عن حجم التعقيدات التي تحيط بمؤسسات الدولة في المناطق المحررة التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا، لا سيما بعدما رافق محاولة تنفيذ القرار إطلاق نار على لجنة مكلفة من وزارة الداخلية.

فالقضية لم تعد تتعلق فقط بإقالة اللواء القملي وتكليف العميد قيس إسماعيل خلفًا له، وإنما صارت متعلقة بطبيعة السلطة داخل المؤسسات الأمنية، ومدى ارتباطها برئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وحدود صلاحيات وزارة الداخلية.

كما يتعلق بمستوى نفوذ القوى السياسية والعسكرية المتعددة داخل السلطة الشرعية، فضلاً عن ملفات الفساد، وإدارة الدعم الدولي، والسيطرة على السواحل والجزر والموانئ اليمنية وما يمرُّ فيه من تداخل إقليمي ودولي.

 

تنفيذ القرار

 

تصاعدت الأزمة عقب محاولة لجنة من وزارة الداخلية تنفيذ قرار تعيين العميد قيس ماجد إسماعيل رئيسًا لمصلحة خفر السواحل خلفًا للواء خالد القملي، غير أن اللجنة واجهت رفضًا عمليًا للقرار، وتطور الأمر إلى استخدام القوة وإطلاق النار.

وتحمل هذه الحادثة دلالات تتجاوز الخلاف الشخصي بين مسؤولين؛ حيث تعكس وجود أزمة أعمق تتعلق بمدى قدرة الحكومة على فرض قراراتها داخل المؤسسات التابعة لها، لأنه عندما يتحول قرار إداري صادر عن وزارة سيادية إلى مواجهة ميدانية، فإن ذلك يشير إلى استمرار الصراع بين مراكز قوة متنافسة قادرة على تعطيل تنفيذ القرارات الرسمية.

ومع خروج القضية للعلن، انقسم الرأي العام والإعلام المحلي إلى قسمين؛ فمنهم من اعتبر القرار خطوة ضرورية لإعادة تصحيح مسار المصلحة وإنهاء مرحلة طويلة من الإدارة الفردية، بينما رأى الثاني أن القرار جاء في إطار تصفية حسابات سياسية أو إدارية، وأنه يفتقر إلى الأسس القانونية والإجرائية الكافية.

 

لماذا خفر السواحل؟

 

تمثل مصلحة خفر السواحل إحدى المؤسسات الأكثر حساسية في اليمن فهي أكبر من كونها مجرد جهاز أمني تقليدي، نظرًا لإشرافها على سواحل تمتد لأكثر من ألفي كيلومتر وتتحكم بممرات بحرية استراتيجية ترتبط بالأمن الإقليمي والدولي.

وتتولى المصلحة مهام مكافحة التهريب والقرصنة والإرهاب البحري، وتأمين الملاحة، وحماية الموانئ والجزر اليمنية، كما تحظى بدعم وتعاون مباشر من أطراف دولية وإقليمية متعددة.

لهذا السبب فإن أي تغيير في قيادة هذه المؤسسة يُنظر إليه باعتباره قضية تتجاوز الإطار الإداري، إلى توازنات النفوذ المرتبطة بالساحل اليمني والبحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب.

لكن بعد صدور قرار التغيير، بدأت حملات إعلامية واسعة ركزت على التشكيك في مؤهلات العميد قيس إسماعيل، حيث جرى تداول روايات تفيد بأنه لا يمتلك الخبرة الكافية لإدارة مؤسسة بحجم خفر السواحل.

وفي المقابل، سارعت وزارة الداخلية إلى نشر سيرته المهنية ومؤهلاته العسكرية والأمنية، مؤكدة أنه من الكوادر المؤهلة التي تمتلك سجلاً مهنيًا طويلاً يؤهله لتولي المنصب.

واللافت في الأمر أن الجدل انتقل من تقييم الرئيس الجديد العميد قيس إلى الدفاع عن اللواء القملي والحديث عما قالوا إنها إنجازات حققها خلال سنوات قيادته للمصلحة، مقابل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى وزير الداخلية إبراهيم حيدان واتهامه بإصدار قرارات مثيرة للخلاف.

هذا التحول كشف أن المعركة الإعلامية لم تكن تدور فقط حول الكفاءة المهنية للسابق والمُعين حديثاً، وإنما حول شرعية القرار نفسه وخلفياته السياسية.

 

فساد مالي وإداري

 

بحسب مصادر تحدثت لوسائل إعلام محلية، فإن قرار إبعاد خالد القملي جاء بعد تراكم ملاحظات وتحفظات واسعة على طريقة إدارة المصلحة خلال السنوات الماضية.

وتقول المصادر إن الجهات الرسمية استندت إلى ملفات تتعلق بإدارة الدعم الدولي، والتعامل مع المعدات البحرية، والعلاقة مع بعض التشكيلات العسكرية والسياسية خارج الإطار المؤسسي المباشر للمصلحة.

كما تتحدث عن وجود تحقيقات سابقة تناولت ملفات مالية وإدارية مرتبطة بالمساعدات الدولية المخصصة للأمن البحري، إضافة إلى اتهامات تتعلق بضعف الرقابة على الأصول والمعدات التابعة للمصلحة.

وتذهب مصادر مطلعة أخرى إلى أبعد من ذلك، حيث تتهم اللواء القملي بإعطاء أوامر لقوات خفر السواحل بالانسحاب من بعض المعسكرات والمواقع في الجزر اليمنية، وتسليم مواقع ومنشآت مرتبطة بالموانئ إلى جهات أخرى، وهي اتهامات بالغة الخطورة وبحاجة إلى توضيح رسمي من مجلس القيادة الرئاسي والجهات المعنية لإثباتها أو نفيها.

كما يتوقف كل ذلك على صدور تقرير قضائي أو تحقيق رسمي معلن للرأي العام، فالاتهامات المتعلقة بالخيانة العظمى أو الاختلاسات المالية أو تسليم معدات ومنشآت سيادية هي قضايا من المستوى الأعلى قانونيًا وسياسيًا، وتستوجب ردًا حازمًا.

 

صراع إعلامي

 

في الجهة المقابلة، يرى المدافعون عن خالد القملي أن الرجل قاد المصلحة خلال واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا خلال العقد الماضي، حيث واجهت البلاد حربًا واسعة وانقسامات أمنية وسياسية عميقة.

ويشيرون إلى أن خفر السواحل استمر في أداء مهامه رغم محدودية الإمكانات وتعدد مراكز القرار، وأن تحميل شخص واحد مسؤولية جميع الإخفاقات يمثل تبسيطاً مفرطاً لأزمة معقدة تعيشها مؤسسات الدولة كافة.

كما لجأوا إلى التركيز على الجانب القانوني للقرار، معتبرين أن منصب رئيس مصلحة خفر السواحل يعد من المناصب السيادية التي لا ينبغي تغيير شاغلها إلا وفق إجراءات قانونية واضحة تشمل مستويات عليا من السلطة التنفيذية.

ومع ذلك، يعتبر الصحفي خليل العمري أن جوهر القضية يجب أن ينصب على سلامة الإجراءات القانونية وليس فقط على الأشخاص والجدل الحاصل حولهم، مشيرًا في منشور له على "فيسبوك" إلى أن تعيين أو تغيير رؤساء المصالح الأمنية العليا يخضع عادة لقرار جمهوري وبناء على ترشيح وزير الداخلية وموافقة الحكومة.

 

دور مجلس القيادة

 

أحد أكثر الجوانب إثارة في الأزمة يتعلق بما تم تداوله حول موقف رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، فوفقًا لما نقله الصحفي عبدالله دوبلة في برنامجه "من الآخر" عن مصادر في وزارة الداخلية، فإن الرئيس العليمي كان مطلعًا على مشاورات التغيير، ووافق عليها في مرحلة معينة، قبل أن يُنقل عنه لاحقًا موقف معارض للقرار بعد صدوره.

وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تكشف عن وجود تباينات داخل مراكز القرار العليا نفسها، وهو ما قد يفسر حالة الارتباك التي رافقت تنفيذ القرار، غير أن ذلك بحاجة إلى توضيح رسمي من الرئاسة اليمنية وهو مالم يصدر حتى الآن.

وفي المقابل، أكد مصدر مسؤول في وزارة الداخلية، أن قرار وزير الداخلية بتكليف العميد قيس إسماعيل مديرا عاما لمصلحة خفر السواحل ما يزال ساريا، نافيا صحة بيان منسوب لمصلحة خفر السواحل بوقف تنفيذ القرار.

والحقيقة أنه لا يمكن قراءة الجدل الحاصل حول خفر السواحل بمعزل عن التنافس الإقليمي المرتبط بالسواحل اليمنية، فالعديد من النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن أدوار إماراتية وسعودية في دعم قطاعات ومشروعات مرتبطة بالأمن البحري، كما تتطرق إلى طبيعة العلاقات بين المصلحة وبين الشركاء الدوليين المعنيين بأمن البحر الأحمر وخليج عدن.

وتعكس هذه النقاشات حقيقة أن السواحل اليمنية أصبحت جزءًا من معادلة أمنية إقليمية ودولية واسعة، الأمر الذي يجعل أي تغيير في القيادة محل متابعة من جهات متعددة تتجاوز الحدود اليمنية.

 

أزمة نفوذ

 

تكشف أزمة تغيير قيادة مصلحة خفر السواحل عن أبعاد تتجاوز حدود الخلاف الإداري بين وزير الداخلية ورئيس المصلحة السابق، لتسلط الضوء على طبيعة التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة اليمنية.

فالفشل في تنفيذ قرار رسمي وتحوله إلى مواجهة أمنية يعكس استمرار تعدد مراكز النفوذ وصعوبة فرض القرار المؤسسي داخل بعض الأجهزة السيادية في الحكومة الشرعية.

كما أبرزت الأزمة أن ملفات السواحل والموانئ والجزر أصبحت مرتبطة بحسابات سياسية وعسكرية وإقليمية معقدة ولم تعد شأنًا أمنيًا فقط، ما يفسر حجم الاستقطابات السياسية والعسكرية المرافقة للمشهد اليمني مع كل قرار تعيين أو إقالة.

وفي المقابل، يؤدي غياب توضيحات أو بيانات رسمية من الجهات العُليا إلى انتشار المعلومات المتضاربة وتحويل وسائل الإعلام إلى ساحة صراع بين الأطراف المحلية المختلفة.

ومن هذا المنطلق، تبدو الأزمة مفتوحة على عدة مسارات؛ فإما تنجح وزارة الداخلية في فرض القرار وتثبيت القيادة الجديدة بما يعزز سلطة الدولة، أو الوصول إلى تسوية سياسية لمعالجة قضية خفر السواحل.

أو استمرار حالة التجاذب بين أكثر من طرف في ظل صمت مجلس القيادة حتى الآن، وهو السيناريو الأكثر خطورة لما قد يترتب عليه من تعميق الانقسام داخل مؤسسة سيادية يفترض أن تضطلع بحماية السواحل والمياه الإقليمية اليمنية.

 

بناء الثقة

 

تكشف أزمة رئاسة مصلحة خفر السواحل اليمنية أن جوهر الصراع لا يتعلق بشخص خالد القملي أو قيس إسماعيل فقط، وإنما بطبيعة السلطة نفسها في ظل الحرب والانقسامات وتعدد مراكز النفوذ.

فالقرار الذي بدأ كتغيير إداري تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على فرض قراراتها، ولحدود التداخل بين المؤسسات الرسمية والقوى السياسية والعسكرية المؤثرة.

كما توجد ضرورة ملحة إلى تحقيقات شفافة ومستقلة تكشف للرأي العام حقيقة الملفات المثارة، في ظل الاتهامات المتبادلة لا سيما ما يتعلق بالجانب السيادي والمالي، لتحديد المسؤوليات والاجراءات وفق القانون، بعيداً عن الحملات الإعلامية والاصطفافات السياسية.

فالمؤسسات السيادية، وعلى رأسها مصلحة خفر السواحل، لا يمكن أن تستعيد دورها الفاعل إلا عبر الاحتكام إلى القواعد القانونية، وإخضاع جميع المسؤولين للمساءلة، أياً كانت مواقعهم أو الجهات الداعمة لهم، وعندها فقط يمكن تحويل هذه الأزمة من معركة نفوذ إلى فرصة لإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة.