في الوقت الذي يعيش فيه ملايين اليمنيين أوضاعًا اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة، تقود جماعة الحوثي الإرهابية حملاتها التعبوية والإعلامية للاحتفاء بما تسميه "يوم الولاية" أو "يوم الغدير"، باعتباره إحدى المناسبات المرتبطة بمشروعها الفكري والسياسي.
غير أن هذا الحشد القسري، الذي يشمل مؤسسات الدولة الخاضعة لسيطرة الجماعة والمدارس والأحياء السكنية والقطاعات النسائية والرجالية، يقابله رفض واسع ومتزايدة من صحفيين وكتاب وناشطين يمنيين يرون في المناسبة محاولة جديدة لإعادة إنتاج فكرة "الحق الإلهي" في الحكم الإمامي وتكريس الامتياز السلالي على حساب مبدأ المواطنة المتساوية.
وخلال الأيام الأخيرة الماضية، شهدت منصات التواصل الاجتماعي في اليمن حراكًا واسعًا ضد الاحتفال بهذه المناسبة، للتأكيد على أن ما يجري ليس احتفاءً دينيًا بقدر ما هو استثمار سياسي بهدف منح المشروعية لنظام سلطوي قائم على احتكار السلطة والثروة باسم الدين.
تعبئة إجبارية
يكشف الصحفي الاستقصائي فاروق مقبل الكمالي، عبر منشور على منصة "فيسبوك"، عن تناقض واضح بين حجم الدعاية الحوثية والواقع الفعلي للتفاعل الشعبي مع المناسبة.
ويوضح الكمالي في تحليله للوسم المتداول #عيد_الغدير_الأغر، الذي تسعى الجماعة إلى تصويره باعتباره حدثًا يمنيًا جامعًا، أظهر أن الغالبية الساحقة من التفاعل الجغرافي جاءت من نطاقات محدودة للغاية.
ووفقًا للبيانات التي أوردها، فإن نحو 96 في المائة من المشاركات جاءت من أمانة العاصمة صنعاء، بينما بلغت نسبة التفاعل من محافظة الجوف 3 في المائة فقط، ومن مأرب 0.3 في المائة، في حين لم يظهر حضور يذكر لبقية المحافظات اليمنية.
ويرى الكمالي أن هذه المؤشرات الرقمية تتناقض مع الرواية التي تحاول الجماعة تسويقها بشأن تحول المناسبة إلى تقليد وطني واسع الانتشار، رغم حجم الإنفاق الضخم الذي يرافق فعالياتها على المستويات المركزية والمحلية، من المحافظة إلى المديرية، ومن المؤسسات التعليمية إلى الأحياء السكنية.
وتعكس هذه المعطيات فشل الحوثيين في تحويل هذه الخرافة إلى مناسبة جامعة لليمنيين، في ظل عمليات تعبئة منظمة تستخدم فيها الجماعة إمكانيات الدولة ومؤسساتها الواقعة تحت سيطرتها.
وبالتزامن مع موعد المناسبة، تداول ناشطون وإعلاميون معلومات عن تعميمات أصدرتها سلطات الحوثيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها تدعو السكان إلى إشعال الألعاب النارية وإنارة المنازل والحارات والجبال للاحتفاء القسري بالمناسبة.
ويؤكد ناشطون وإعلاميون على مواقع التواصل الاجتماعي، أن هذه المظاهر هي جزء من عملية منظمة تهدف إلى فرض المناسبة على المجتمع وتحويلها إلى تقليد سنوي دائم، بما يخدم مشروع الجماعة العقائدي والسياسي.
توظيف سياسي
يتمحور الخلاف الأساسي حول مفهوم "الولاية" نفسه، الذي تطرحه الجماعة باعتباره امتدادًا لمرجعية دينية تمنح القيادة لأشخاص ينتمون إلى سلالة محددة، في حين أن هذا التفسير هو في حقيقة الأمر توظيف سياسي للدين أكثر من كونه قضية عقدية أو فقهية.
ويرى الصحفي سمير رشاد اليوسفي، أن المسألة لم تعد تدور حول قراءة تاريخية أو تفسير ديني لواقعة الغدير، وإنما حول استخدام تلك الرواية كوسيلة لتأسيس سلطة سياسية تحتكر الحكم باسم السماء.
ويؤكد الصحفي اليوسفي في تدوينة على حسابه في منصة "إكس" أن ما يصفه الحوثيون بـ"الولاية" تحول في الممارسة العملية إلى منظومة تمنح الامتيازات السياسية والاقتصادية لفئة محددة، بينما يتحمل بقية المواطنين أعباء الجبايات والضرائب والرسوم التي تفرضها سلطات الأمر الواقع.
ويشدد اليوسفي على أن أخطر ما في المشروع الحوثي هو انتقاله من مرحلة الخطاب الديني إلى مرحلة بناء منظومة اقتصادية واجتماعية قائمة على الامتياز السلالي، بحيث تصبح السلطة والثروة والقرار العام مرتبطة بالانتماء العائلي أكثر من ارتباطها بالكفاءة أو الإرادة الشعبية.
ومنذ سيطرتهم على صنعاء عام 2014م عمل الحوثيون على إحياء عشرات المناسبات ذات الطابع المذهبي، وتوسيع حضورها في المجال العام عبر المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والمساجد، في إطار محاولة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي لليمنيين وربط الهوية الوطنية بمنظومة فكرية تقوم على الاصطفاء السلالي.
ويرى عدد من الكتاب والناشطين اليمنيين أن جوهر الخلاف مع الحوثيين لا يتعلق بمناسبة دينية بعينها، وإنما بطبيعة المشروع السياسي الذي تمثله الجماعة، كون الدولة الحديثة تقوم على مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن أصولهم أو أنسابهم أو انتماءاتهم الاجتماعية.
ويؤكد هؤلاء في تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي تابعها "المجهر"، أن جماعة الحوثي تسعى إلى إعادة إنتاج نموذج الإمامة التاريخي بصيغة جديدة، تقوم على منح حق القيادة السياسية لفئة محددة بحكم النسب، وليس بناءً على الاختيار الحر للمواطنين.
كما أشاروا إلى أن فكرة احتكار الحكم على أساس الانتماء السلالي تتناقض مع مبادئ الجمهورية التي قامت عليها ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وتتعارض مع مفاهيم الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والمساواة وسيادة القانون.
استنزاف اقتصادي
تتكرر هذه المناسبة في ظل أوضاع معيشية سيئة جداً يعيشها اليمنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، فمنذ سنوات يعاني الموظفون من انقطاع الرواتب، كما تشهد البلاد تراجعا اقتصاديا واسعا وانكماشا في النشاط الإنتاجي، الأمر الذي دفع ملايين الأسر إلى مواجهة تحديات يومية لتأمين احتياجاتها الأساسية.
ومع ذلك تبالغ جماعة الحوثي في حجم الإنفاق المخصص للفعاليات الاحتفالية المرتبطة بـ"يوم الولاية"، حيث يؤكد الكاتب والصحفي همدان العليي، في سلسلة تدوينات على منصة "إكس"، أن المشهد يعكس مفارقة قاسية بين واقع المواطنين وحجم الأموال التي تُنفق على الدعاية والاحتفالات.
ويقول الصحفي العليي، إن ملايين اليمنيين يواجهون الفقر والجوع وانعدام الخدمات الأساسية، بينما تُصرف مبالغ ضخمة على الزينة والفعاليات والألعاب النارية والأنشطة التعبوية.
ويضيف أن هذه المظاهر الاستعراضية تجري فوق واقع إنساني مأزوم، حيث يبحث المواطن عن قوت يومه أو علاج مريضه أو تعليم أطفاله، في وقت تُسخر فيه الموارد العامة لخدمة أجندة أيديولوجية وسياسية.
إلى جانب النقد السياسي والفكري، برزت موجة متزايدة من السخرية الشعبية تجاه المناسبة على منصات التواصل الاجتماعي، وفي هذا السياق كتب همدان العليي أن "يوم الولاية بالنسبة لليمنيين هو يوم السخرية العالمي"، في إشارة إلى اتساع دائرة الرفض الشعبي للفكرة التي تقوم عليها المناسبة.
ويؤكد الصحفي العليي، أن هذه السخرية تعكس مستوى متنامي من الوعي المجتمعي تجاه محاولات توظيف الدين في الصراع السياسي، كما تكشف رفضًا متزايدًا لإعادة إحياء مفاهيم الوصاية والامتياز الوراثي.
ويرى مراقبون أن انتشار الخطاب الساخر دليل على تراجع قدرة الجماعة في إقناع قطاعات واسعة من المجتمع بمشروعها الفكري، رغم امتلاكها أدوات إعلامية وتنظيمية ضخمة.
نزعة استبدادية
وفي سياق الانتقادات الموجهة للخطاب الحوثي حول "الولاية"، برزت مواقف لافتة من شخصيات محسوبة على الجماعة، حيث انتقد السياسي والكاتب محمد المقالح بشدة محاولة الحوثيين الترويج لمفهوم "الولاية" وتقديم أنفسهم بوصفهم الامتداد الحصري لعلي بن أبي طالب.
وأوضح المقالح في منشور على منصة "إكس"، أن جوهر الإشكال لا يتعلق بعلي بن أبي طالب أو بمكانته لدى اليمنيين، بل بمحاولة الجماعة توسيع مفهوم "الولاية" ليشملها ويمنحها حقاً سياسياً فوق بقية المجتمع.
وأشار إلى أن اليمنيين يتساءلون عمّا إذا كانت "الولاية" مرتبطة بعلي كشخصية تاريخية ودينية، أم أنها تحولت إلى غطاء تمنح الجماعة من خلاله نفسها شرعية دائمة للحكم والوصاية على الناس.
وأكد أن توظيف الرمزية الدينية لخدمة أهداف الجماعة يكشف نزعة استبدادية تسعى إلى فرض الوصاية على المجتمع باسم الدين والتاريخ.
وشدد السياسي المقالح على أن الخلاف الحقيقي ليس مع علي بن أبي طالب، وإنما مع من يحاولون استغلال رمزيته وتوظيفها لخدمة مصالح سياسية خاصة.
صراع بين مشروعين
في جوهره يبدو الخلاف حول "يوم الولاية" جزءًا من صراع أوسع يدور في اليمن منذ سنوات بين مشروعين متناقضين، فالمشروع الأول الذي يتمسك به الجمهوريون، يقوم على فكرة الدولة الوطنية الحديثة التي تستمد شرعيتها من المواطنين، وتؤسس لعلاقة متساوية بين أفراد المجتمع بعيدًا عن الامتيازات الوراثية أو السلالية.
أما المشروع الثاني، وفق توصيف الحوثيين، فيستند إلى فكرة الاصطفاء السلالي والحق الإلهي في الحكم، ويمنح الأفضلية السياسية لفئة محددة على أساس النسب والانتماء العائلي.
ولهذا السبب، لا ينظر كثير من اليمنيين إلى "يوم الولاية" باعتباره مناسبة دينية عادية، وإنما رمزًا لمشروع سياسي متكامل يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أسس تتعارض مع مبادئ الجمهورية والمواطنة المتساوية.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها جماعة الحوثي لترسيخ "يوم الولاية" في الوعي العام، فإن الخلاف المصاحب للمناسبة يكشف حجم المعركة على المستويين الفكري والثقافي التي وصلت إليه البلاد منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عشر سنوات.
ففي حين تمتلك الجماعة سلطة الأمر الواقع وأدوات التأثير المؤسسي في مناطق سيطرتها، يواصل كثيرون تقديم خطاب مضاد يركز على قيم الجمهورية والمواطنة ورفض التمييز السلالي بين اليمنيين.
ويؤكد كثير من الكتاب والناشطين أن العالم المعاصر تجاوز منذ زمن طويل أفكار الحكم الوراثي في والامتيازات القائمة على النسب، وأن الشعوب باتت أكثر تمسكًا بحقها في اختيار حكامها ومحاسبتهم عبر الآليات الديمقراطية.
ومن هذا المنطلق، يرون أن محاولات إضفاء القداسة على السلطة السياسية أو ربطها بانتماءات عائلية محددة لن تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإطالة أمد الصراع، بينما يبقى الطريق نحو الاستقرار مرهونًا ببناء دولة تتسع لجميع مواطنيها دون تمييز.
وفي ظل استمرار الأزمة اليمنية وتعثر مسارات الحل السياسي، تبقى خرافة "يوم الولاية" أكثر من مجرد خلاف حول مناسبة دينية أو رواية تاريخية، فهو في نظر كثير من اليمنيين صراع على طبيعة الدولة نفسها، التي يسعون إلى بنائها بعد سنوات من الحرب والانقسام والمعاناة.
تابع المجهر نت على X
