حرب الاغتيالات.. استراتيجية الحوثيين لضرب مؤسسات الشرعية من الداخل (تحليل خاص)

حرب الاغتيالات.. استراتيجية الحوثيين لضرب مؤسسات الشرعية من الداخل (تحليل خاص)

لم تعد المواجهة في اليمن محصورة في خطوط التماس على جبهات القتال الممتدة من مأرب إلى تعز والسواحل الغربية والجنوبية الغربية للبلاد، فبعد مرور أكثر من عقد على اندلاع الحرب يبدو أن الصراع يتجه نحو المعركة الأمنية والاستخباراتية باعتبارها واحدة من أكثر المواجهات تأثيراً في موازين القوى والتحولات السياسية الإقليمية.

وفي مشهد يعيد إلى الأذهان سلسلة الاغتيالات التي شهدتها العاصمة المؤقتة عدن وعدد من المناطق المحررة خلال السنوات الماضية، تجد الحكومة الشرعية اليوم نفسها أمام اختبار وجودي حول قدرتها على حماية كوادرها واستباق التحولات الاستراتيجية المتسارعة، من أجل وضع حد للخلايا المحلية التي تُوظفها جماعة الحوثي الإرهابية بالتنسيق مع أطراف خارجية.

ففي غضون أشهر معدودة، اهتزت عدن على وقع جرائم اغتيال طالت شخصيات إدارية وإنسانية، كان آخرها اغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد، الذي أعلن وزير الداخلية اللواء الركن إبراهيم حيدان، الجمعة الماضية، وقوف الحوثيين خلف تنفيذ الجريمة.

 

إدراك التحولات

 

شكَّلت عمليات الاغتيال الأخيرة حلقة في سلسلة طويلة من تكتيك استراتيجي تتبناه الجماعة منذ سنوات في بناء شبكة علاقات وتمويل وارتباطات عميقة في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تتيح لها تنفيذ أعمال ذات أبعاد وتبعات مؤثرة في تحولات المشهد اليمني سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

ومن الواضح أن استراتيجية الحوثيين هي "اغتيال المؤسسة" قبل اغتيال الشخصيات، والتي تسعى الجماعة من خلالها إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإظهار عجز الحكومة الشرعية المعترف بها أمام المجتمع الدولي وإرباك أي محاولة لاستعادة مؤسسات الدولة.

وما كشفته تصريحات وزير الداخلية اليمني مؤخراً، حول إفشال أكبر مخطط للاغتيالات السياسية في عدن، ليس سوى خيط من شبكةٍ متعددة، فالتحقيقات أظهرت وجود خلايا مدربة على زرع العبوات وتنفيذ الاغتيالات، تضم عناصر من ذوي السوابق الإجرامية، مرتبطة مباشرة بمركز قيادة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى كشف وزير الداخلية خلال مقابلة أجراها مع جريدة "الشرق الأوسط" عن وجود تمويل ودعم لوجستي خارجي لهذه الخلايا، في تأكيد على أن الحرب الاستخباراتية التي تخوضها الجماعة ترتبط بمصالح مع أكثر من طرف خارج اليمن.

كما أن هذه الشبكات لا تنشأ من فراغ، ويتم استقطابها عبر مصالح وقواسم مشتركة، وتُستخدم كأدوات لتنفيذ أجندة تهدف إلى إحداث فوضى من شأنها إعاقة مشروع استعادة الدولة، خصوصاً في العاصمة عدن التي شهدت مؤخراً حضوراً لافتاً للسلطة الشرعية وجهودها التنموية.

ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة هو الانتقال من استهداف الشخصيات العسكرية والأمنية إلى استهداف الكوادر المدنية والإدارية والإنسانية، وهو تحول تكتيكي يحمل دلالات خطيرة.

 

صراع المؤسسات

 

في الثالث من مايو الماضي، اختطف مسلحون القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد من أمام منزله، وعُثر على جثته بعد ساعات، لكن الجريمة حملت بعد ذلك أبعاداً أعمق من مجرد اغتيال موظف مدني، لأنها تأتي في سياق تحولات استراتيجية كبرى تتعلق بالصراع على مؤسسات الدولة وتمويلاتها الدولية.

فالصندوق الاجتماعي للتنمية، الذي تأسس عام 1997، هو أكبر مؤسسة تنموية يمنية وأكثرها ثقة لدى المانحين الدوليين، حيث يُنفذ مشاريع في التعليم والصحة والمياه والحماية الاجتماعية في كل المحافظات اليمنية.

طوال سنوات الحرب، ظل المقر الرئيسي وإدارة الصندوق في صنعاء الخاضعة للحوثيين، ما منح الجماعة نافذة على التمويلات الدولية وشرعية غير مباشرة، إلا أنه وفي عام 2025، حدث تحول جذري، حيث اتخذت الحكومة الشرعية قراراً بنقل الصندوق إلى عدن.

وقامت الحكومة المعترف بها دولياً بتعيين إدارة تنفيذية للصندوق، وأصدر البنك المركزي في عدن قرارات باعتماد هذه الإدارة، وإلغاء صلاحيات الإدارة القديمة في صنعاء.

هذا التحول، الذي يُعتبر من أهم التطورات المؤسسية منذ اندلاع الحرب، يعني عملياً نقل مركز القرار والإدارة المالية للصندوق من الحوثيين إلى الحكومة الشرعية، وبالتالي فقدان الحوثيين مصدر تمويل دولي بالغ الأهمية.

ومن هنا، فإن اغتيال وسام قائد، الذي كان يمثل الوجه الجديد لهذا التحول، فالرد الحوثي كان مُتوقعاً لأن عملية الاغتيال هي حلقة في صراع أوسع للسيطرة على الملفات الحيوية، إلى جانب ملفات البنوك والمؤسسات المالية الأخرى.

وفي هذا السياق، أكد وزير الداخلية اللواء الركن إبراهيم حيدان، خلال لقائه سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، أن التحقيقات في قضية اغتيال وسام قائد أفضت إلى أدلة حول تورط الحوثيين في الجريمة، مشيراً إلى ضبط عدد من المشتبه بهم واستمرار الإجراءات لاستكمال التحقيقات وكشف جميع المتورطين.

وفي 25 أبريل 2026، أي قبل أقل من أسبوعين على اغتيال وسام قائد، اُغتيل الدكتور عبدالرحمن عبدالوهاب الشاعر، رئيس مجلس إدارة مدارس النورس الأهلية، والقيادي البارز في حزب التجمع اليمني للإصلاح، أثناء توجهه للمشاركة في فعالية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ورغم أن التحقيقات لم تعلن حتى الآن بصورة نهائية الجهة التي خططت أو وجهت العملية، فإن أهمية الحادثة تكمن في طبيعة الهدف نفسه، مع استمرار السلطات بربط عمليات الاغتيالات بشبكات وخلايا حوثية نشطة في عدن والمناطق المحررة.

 

أبعاد إقليمية ودولية

 

قبل أكثر من أربع سنوات، وفي 23 مارس 2022، هز تفجير سيارة مفخخة شمال مدينة عدن جنوبي البلاد، حيث أودى بحياة اللواء الركن ثابت مثنى جواس، أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين، وعدد من مرافقيه.

ولم يكن جواس قائداً عسكرياً عادياً، فاسمه ارتبط بشكل مباشر بالعملية العسكرية التي قُتل خلالها مؤسس جماعة الحوثيين حسين بدر الدين الحوثي، في حروب صعدة، كما أن عملية الاغتيال تلك مثلت بحسب مراقبين، توجيه ضربة للمعنويات في معسكر الشرعية حينها، حيث كان جواس يُعد نموذجاً للقائد الميداني المؤثر والحاسم، وهو النموذج الذي تخشاه الجماعة وتحاول إزالته قبل أن يشكل خطراً مستقبلياً.

لكن القضية لم تخلُ من تعقيدات إضافية، ففي تقرير نشرته صحيفة "الوطن" السعودية، كشف عن تفاهمات وتنسيق استخباراتي بين أطراف جنوبية والحوثيين بتوسط إماراتي، ما يضفي على الحادثة أبعاداً إقليمية معقدة ويضع الحكومة الشرعية أمام تحدٍّ كبير في فهم شبكات النفوذ المتقاطعة.

وقبل اغتيال جواس بأربع سنوات، وتحديداً في 21 أبريل 2018، اُغتيل الموظف الدولي حنا لحود، مسؤول برنامج الاحتجاز لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الذي استُهدف أثناء توجهه لزيارة سجن في محيط مدينة تعز.

هذه الجريمة، التي أعلنت السلطات الأمنية بالمحافظة القبض على المتهم الرئيسي في مايو الماضي، كانت جزءاً من تكتيك يهدف إلى تعميق الخلاف بين السلطات المحلية في تعز، وإظهار ضعف الدولة، واستهداف النشاط الأممي والدولي الذي كانت تشهده المدينة المحاصرة.

وبالفعل ساهمت عملية الاغتيال في إيقاف جهود المنظمات الإنسانية بشكل شبه كلي لفترة، وأجبرت العديد منها على نقل موظفيها ومقراتها إلى مدينة التربة خارج المدينة، مما أثر سلباً على ملايين المحتاجين.

ولم تكتمل عودة هذا النشاط نسبياً خلال السنوات التي تلت العملية، حتى جاءت عملية اغتيال الموظف الأردني مؤيد حميدي، رئيس مكتب برنامج الأغذية العالمي في تعز وبمدينة التربة تحديداً، في 21 يوليو 2023، لتعيد المخاوف إلى الواجهة.

والأكثر من ذلك أن القضية شهدت بعد شهر من تنفيذها اغتيال الضابط في الأمن السياسي عدنان المحيا، أحد المحققين الرئيسيين في القضية، في تأكيد على أن التنظيم الإجرامي للجماعة يمتد إلى داخل الأجهزة الأمنية للشرعية ويوحي بوجود شبكات متخادمة قادرة على تصفية أي خيط يصل إليه.

وما يجمع بين الجريمتين هو الدافع نفسه، فتعز تمثل صوتاً إنسانياً عالياً أمام المجتمع الدولي بسبب الحصار والجرائم الحوثية، والجماعة تسعى من خلال هذه العمليات إلى إسكات هذا الصوت وتحويل الصورة إلى أن المدينة غير آمنة وغير مستقرة، بهدف تقليص الضغط الدولي عليها.

 

مواجهة الفوضى

 

أمام هذه الاستراتيجية الممنهجة، أبدت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، ممثلة بوزارة الداخلية، موقفاً واضحاً عبر إعلانها المتكرر عن كشف الخلايا وضبط الجناة وإفشال المخططات.

تصريحات وزير الداخلية اللواء إبراهيم حيدان، التي أكد فيها أن الأجهزة الأمنية أصبحت أكثر احترافاً ويقظة، واستطاعت إفشال "أكبر مخطط للاغتيالات السياسية"، تعكس وجود قدرات أمنية وجهوداً استخباراتية متنامية.

كما أن تعاون الحكومة مع شركائها الإقليميين والدوليين، والإدانات الواسعة لجريمة اغتيال وسام قائد، يشكلان غطاءً سياسياً ودبلوماسياً مهماً، لكن السؤال الأهم هو؛ هل هذه الإجراءات كافية في مواجهة حرب أمنية واستخباراتية معقدة تمتلك فيها الجماعة أذرعاً محلية وخارجية وبمصادر تمويل متعددة؟

والواقع أن التحديات التي تواجه الحكومة متعددة، بدءاً من ضُعف البنى التحتية للأجهزة الأمنية والاستخباراتية مقارنة بشبكات الحوثيين، ووصولاً إلى الاختراقات التي تحدث أحياناً نتيجة وجود عناصر موالية للجماعة أو متعاطفة معها داخل هذه الأجهزة أو في نطاق انتشارها، وهو ما ألمحت إليه تصريحات وزير الداخلية حول "تخادم الميليشيات".

أما فيما يتعلق بالتحولات الاستراتيجية العميقة والمتزامنة، كملف نقل مقر الصندوق الاجتماعي وغيره من المؤسسات إلى عدن، فموقف الحكومة يبدو أكثر حزماً واستباقية.

ورغم أن هذه الخطوة كانت ضرورية وجريئة، إلا أن الحكومة لم تضع في حساباتها بشكل كاف سرعة وحجم الرد الحوثي، كانت هناك حاجة لتعزيز الإجراءات الأمنية الاحترازية لحماية الكوادر التي تم تعيينها قبل الإعلان عن هذا التحول.

 

سيناريوهات مفتوحة

 

يُدرك الحوثيون أن المعركة الحقيقية بعد تجميد الجبهات العسكرية هي معركة الشرعية الدولية والسيطرة على مقدرات الدولة وتمويلات المانحين، ولذلك فإن استهداف شخصيات كوسام قائد ليس نهاية المطاف، وإنما بداية مرحلة جديدة ومعقدة.

وأمام الحكومة الشرعية اليوم خيار وحيد؛ وهو الانتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة المبادرة والردع الحازم من خلال تطوير قدراتها الاستخباراتية والأمنية بشكل نوعي، وتوسيع التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين في مجال مكافحة الشبكات العابرة للحدود وتجفيف منابع تمويلها، وكذلك فرض عقوبات قاسية تصل إلى الإعدام بحق المدانين في قضايا الاغتيالات.

وتبقى كلمات وزير الداخلية "هناك حرب استخباراتية تدور على أرضنا" هي المفتاح لفهم المشهد، فالحرب الباردة التي أشارت إليه كلمات الوزير تبدو ساخنة جداً، وأول ضحاياها هو حلم اليمنيين بدولة قادرة على حمايتهم وضمان مستقبلهم.

والسؤال المحوري هنا؛ هل تمتلك الحكومة الشرعية القدرة على قلب المعادلة، أم أن البلاد مقبلة على مرحلة جديدة من مخططات الفوضى؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة على ذلك!