العيد الثاني بدون الرئيس.. ما العوائق التي تقف أمام عودة العليمي إلى عدن؟ (تقرير خاص)

العيد الثاني بدون الرئيس.. ما العوائق التي تقف أمام عودة العليمي إلى عدن؟ (تقرير خاص)

يحلُّ عيد الأضحى هذا العام في اليمن، كما سبقه عيد الفطر قبل أكثر من شهرين، في ظل استمرار غياب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عن العاصمة المؤقتة عدن أو على الأقل عن إحدى المحافظات المحررة لأداء صلاة العيد واستقبال التهاني بهذه المناسبة من جموع المصلين.

هذا الغياب الذي جاء بعد أيام من تصعيد المجلس الانتقالي المُعلن حلّه، في حضرموت والمهرة شرق اليمن، مطلع ديسمبر الماضي، تحوّل تدريجياً إلى ملف سياسي محكوم بحسابات أمنية معقدة متداخلة مع طبيعة إدارة وتسيير الأوضاع المحلية سياسياً وعسكرياً وحتى اقتصادياً، مما جعل حضور وغياب الرئيس العليمي عنصراً حساساً في معركة الشرعية ذاتها.

وفي حين يعتبر سياسيون وصحفيون، أن تواجد العليمي بالداخل قضية سيادية وأن استمرار غيابه يبعث برسائل سلبية حول قدرة الحكومة على إدارة المناطق المحررة، ويمنح فرصة لتكريس ذلك باعتباره ضعف في الحضور السيادي، يرى آخرون أن القضية لا تقف عند شخص رئيس المجلس الرئاسي ومكان إقامته، وإنما في استمرار هشاشة التوازنات داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

 

اعتبارات أمنية

 

رغم التوقعات التي كانت تربط عودة الرئيس العليمي إلى عدن بمحطات سياسية وأمنية متعاقبة، خصوصاً بعد التطورات التي شهدتها حضرموت والمهرة مطلع العام الجاري، وما رافقها من تراجع في حضور قوات الانتقالي.

غير أن هذه التغيرات الميدانية، التي رافقتها عمليات إعادة تموضع عسكري وإداري، لم تُترجم إلى عودة سياسية لرئيس مجلس القيادة، ما فتح الباب أمام تساؤلات مثيرة حول طبيعة العوامل التي تعيق هذا المسار

وفي المقاربة الرسمية غير المعلنة التي تفصح عنها بطريقة أو بأخرى مصادر سياسية وإعلامية محسوبة على الحكومة الشرعية، فإن استمرار غياب العليمي مرتبط بجملة من الاعتبارات الأمنية المعقدة.

فعدن رغم كونها العاصمة المؤقتة لليمن، لا تزال تعاني من بنية أمنية منقسمة، مع استمرار تعدد مراكز القوة العسكرية، واحتفاظ المجلس الانتقالي الجنوبي بكتلة صلبة من التشكيلات المسلحة والأمنية المنتشرة في المدينة ومحيطها.

هذا الواقع يجعل تأمين موقع رأس السلطة الشرعية مسألة لا تعتمد على ترتيبات حماية تقليدية، وإنما على توازنات نفوذ ميدانية غير متناسقة، وهو ما ذهبت إليه تقارير دولية وإقليمية محذرة من استمرار الانقسام الأمني والعسكري في المناطق المحررة وغياب قوة موحدة تحت سلطة المجلس الرئاسي قادرة على فرض بيئة مستقرة بالكامل داخل عدن.

مصادر سياسية مطلعة في محيط الحكومة، أشارت كذلك إلى أن ترتيبات الحماية والتأمين للقيادات العليا وأعضاء في عدن تتطلب شبكة تنسيق متقدمة بين التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية وبين الأجهزة الأمنية.

وهذا الأمر ما يزال، وفقا للمصادر التي تحدثت لـ"المجهر"، غير مستقر بالشكل الذي يسمح بإقامة دائمة أو مؤقتة للرئيس العليمي، في العاصمة المؤقتة عدن دون مخاطر.

 

الإطار السياسي

 

لا تكفي القراءة الأمنية وحدها لتفسير استمرار غياب العليمي، فمجلس القيادة الرئاسي نفسه يقوم على صيغة توافقية معقدة، تضم أطرافاً متعددة ذات مصالح متباينة ونفوذ عسكري وسياسي متفاوت، وهو ما يجعل أي خطوة تتعلق بعودة رئيسه إلى الداخل محكومة بحسابات دقيقة تتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة.

يذهب الصحفي والكاتب مأرب الورد، إلى التأكيد بأن هشاشة الوضع الأمني في عدن، واستمرار الانقسام العسكري، واعتبارات التوازن الإقليمي، جميعها عناصر تجعل قرار العودة أكثر تعقيداً مما يبدو في الخطاب السياسي أو الإعلامي المبسط.

وفي تصريح خاص أدلى به لـ "المجهر"، أوضح الصحفي الورد أن التفاؤل الذي ساد باحتمالية عودة العليمي عقب إخراج قوات المجلس الانتقالي من حضرموت والمهرة تراجع تدريجياً حتى تلاشت فرصه خلال المناسبات الوطنية والدينية الأخيرة.

وأرجع ذلك إلى كون السلطة الرئاسية لا تمتلك حتى الآن قوات مستقلة تدين لها بالولاء المطلق، في مقابل احتفاظ المجلس الانتقالي الجنوبي بكامل تشكيلاته العسكرية والأمنية.

وأشار الورد إلى أن حالة الافتراق السياسي، وتصاعد الانفلات الأمني، وعودة حوادث الاغتيالات، خلقت بيئة معقدة تحول دون عودة الرئيس، فضلاً عن التركيبة الهشة لمجلس القيادة الذي يضم قوى متباينة تمتلك أذرعاً عسكرية فاعلة تعيق عمله كإطار سياسي موحد.

 

إدارة التوازنات

 

يتطرق الصحفي مأرب الورد، إلى البعد الإقليمي بوصفه العامل الحاسم في هذه المعادلة، حيث تقود المملكة العربية السعودية حالياً سياسة تعتمد على احتواء التوترات في الجنوب وتخفيف الاحتكاك المباشر مع المجلس الانتقالي.

وفي هذا السياق، يشير الورد إلى أن الرياض تنظر إلى تأجيل عودة العليمي كخطوة تكتيكية لتجنب إثارة حساسيات قد تدفع نحو تصعيد ميداني أو سياسي، مفضلةً التركيز على دمج قيادات الانتقالي ضمن مؤسسات الدولة ومعالجة ملفاتهم الأمنية والمالية بهدوء.

لكنه حذر في الوقت ذاته من التداعيات الاستراتيجية لاستمرار هذا الفراغ الرئاسي، مؤكداً أنه يقدم مكاسب مجانية لأطراف أخرى، فمن جهة، تستغل جماعة الحوثي هذا الغياب لتعزيز آلتها الدعائية وتقديم نفسها كسلطة مستقرة تدير مناطقها من الداخل، مقابل شرعية تعتبرها منفية وتعجز عن التواجد في أراضيها، ومن جهة أخرى، يمنح هذا الوضع المجلس الانتقالي مساحة معنوية وسياسية ترسخ سردية حضوره الفعلي والقوي داخل الجنوب.

فالحوثيون منذ فترة الرئيس عبدربه منصور هادي، يسعون لربط غياب سلطة الشرعية بالحديث عن وجود ضعف بنيوي في نموذج الحكم، وهذا الاستخدام الدعائي المتنامي من قبل الحوثيين لا يقتصر اليوم على البعد الرمزي فقط، وإنما يدخل ضمن معركة أوسع تستهدف شرعية تمثيل الدولة اليمنية.

أما المجلس الانتقالي فوجود قياداته داخل عدن ومعظم مناطق الجنوب مقابل غياب رأس السلطة، يتيح له تعزيز صورة "الفاعل المستقر" بذهنية العامة في مواجهة "القيادة الغائبة"، وهو ما ينعكس وفقا للصحفي الورد، على موازين النفوذ في إطار المناطق المحررة.

ويختتم الصحفي مأرب الورد حديثه بالتأكيد على أن وجود القيادة العُليا للسلطة الشرعية داخل العاصمة المؤقتة عدن يتجاوز الجانب الإداري ليمثل جزءاً أصيلاً من إدارة المعركة النفسية والسيادية لإثبات وجود الدولة.

كما نبّه إلى أن استمرار هذا الغياب يؤدي بشكل متسارع إلى تآكل صورة السلطة ورمزيتها في وعي المواطنين، الذين يقيسون حضور الدولة وقوتها بوجود قيادتها الفعلي على الأرض، وليس من خلال البيانات والخطابات الرسمية مهما كانت المبررات السياسية والأمنية مفهومة.

 

رمزية السيادة

 

بدوافع سياسية، يحاول الإعلام المحسوب على طارق صالح عضو مجلس القيادة الرئاسي ورئيس المكتب السياسي للمقاومة الوطنية المدعوم إماراتياً، إثارة نقاش واسع حول أسباب عدم عودة الرئيس العليمي إلى عدن أو أي من المناطق المحررة، سواء تعز أو مأرب أو حضرموت أو سقطرى.

ويعتبر الصحفي رضوان الهمداني في منشور له على "فيسبوك"، أن استمرار غياب رأس مجلس القيادة عن عدن مؤشراً على الضعف السياسي، وهو حديث يكشف الستار عن توتر غير معلن يفتعله طارق صالح داخل المجلس الرئاسي حول إشكالية استمرار القيادة خارج البلاد.

كما أن هذا الخطاب الذي تديره المنظومة الإعلامية لطارق من أجل مهاجمة العليمي، لا ينفصل عن سياق أوسع من الخلاف داخل مجلس الثمانية، حيث تحاول تحريف الرمزية السياسية لموقع القيادة إلى عنصر صراع على الشرعية والتمثيل.

في المقابل، جاءت ردود ونقاشات أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي لتعيد تعريف طبيعة المنصب ذاته، مؤكدة أن رئيس مجلس القيادة لا يُقاس حضوره بمنطق القادة الميدانيين أو قادة التشكيلات العسكرية، بل بمنطق رأس السلطة السيادية التي يفترض أن تعمل ضمن إطار مؤسسات الدولة.

ويرى هؤلاء أن الجاهزية المؤسسية والأمنية والدبلوماسية تتحكم في تحديد موقع تواجد رئيس السلطة الشرعية، وليست الضغوط الإعلامية والاعتبارات الرمزية التي يتغنى بها إعلام طارق صالح، ما يؤكد أن معيار استقرار القيادة مرتبط بقدرة منظومة الدولة على العمل في بيئة آمنة ومستقرة ولو نسبياً.

 

أزمات متراكمة

 

بين مناسبة وأخرى مرّت على البلاد، تحوّل غياب رئيس مجلس القيادة الرئاسي من مسألة رمزية إلى علامة على عمق الأزمة السياسية التي ما تزال تعيد تعريف مفهوم الدولة والسلطة في اليمن بفعل الأزمات المتراكمة التي خلفها نظام صالح خلال أكثر من عشرين عاماً في جنوب اليمن وشماله.

فغياب الرئيس العليمي عن الداخل اليمني لا يبدو مجرد حالة فردية أو قرار شخصي يمكن تفسيره بزاوية واحدة، وإنما نتاج مباشر لبنية سياسية وأمنية وإقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها حسابات السيطرة الميدانية مع اعتبارات الشرعية الدولية، ما جعل رمزية الحضور تصطدم بمنطق إدارة التوازنات. 

وهذا يتضح من خلال تركيز الرياض خلال الفترة الماضية، على احتواء التوتر في حضرموت والمهرة ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة، وما أعقب ذلك من تصاعد في حساسيات ملف الترتيبات الأمنية والعسكرية في المحافظات الجنوبية، لتصبح عودة رئيس مجلس القيادة إلى عدن في الوقت الراهن خطوة قد تحمل دلالات سياسية غير محسوبة.