شهدت تحركات قيادة الشرعية في اليمن خلال الأيام الماضية زخمًا سياسيًا ودبلوماسيًا غير مسبوق، في لحظة توصف داخليًا بأنها انتقال من مرحلة إدارة الانقسام إلى مرحلة إعادة تعريف الدولة ووظيفتها السيادية.
وفي صميم هذا التحرك برزت مشاركة الرئيس رشاد العليمي، في مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب أولويات اليمن في المعادلة الإقليمية والدولية، وهذه المرة ليس فقط كملف إنساني أو ساحة صراع بالوكالة، وإنما كدولة تسعى إلى استعادة وبناء مؤسساتها واحتكارها المشروع للقوة والسلاح، وصولاً إلى ردع وإنهاء التهديدات العابرة للحدود.
والمشاركة في مؤتمر ميونخ لم تأتِ بمعزل عن تحولات داخلية عميقة أعقبت أحداث ديسمبر، وما تبعها من إنهاء الازدواجية في القرار السياسي والعسكري وحل المجلس الانتقالي لنفسه، ثم تشكيل حكومة جديدة برئاسة شايع محسن الزنداني، في إطار رؤية تؤكد قيادة الشرعية أنها ترتكز على دولة واحدة، وسلاح واحد، وقرار واحد.
وبينما كان الرئيس العليمي يعقد لقاءاته المكثفة مع مسؤولين أوروبيين وأميركيين وخليجيين، اتفق الخطاب الرسمي للحكومة الشرعية على الربط بين أمن الممرات المائية الدولية، واستعادة مؤسسات الدولة من يد جماعة الحوثي الإرهابية، باعتبار الأولى نتيجة مباشرة للثانية.
من إدارة الأزمة إلى إنهاءها
في مداخلاته أمام شركاء أوروبيين، شدد الرئيس العليمي على ضرورة الانتقال من سياسات الاحتواء التكتيكي إلى مقاربة استراتيجية تعالج جذور الأزمة، ففي لقائه مثلاً مع وزير الخارجية الألماني الدكتور يوهان دافيد فاديفول، ومع قيادات أوروبية أخرى، طرح رؤية مفادها أن عسكرة البحر الأحمر دون تمكين الدولة اليمنية لن تحقق استقرارًا مستدامًا.
وهو نفس الطرح الذي قدمه العليمي في الجلسة الحوارية التي خصصت لأمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ، حيث اعتبر أن المقاربات السابقة رغم أهميتها التكتيكية، لم تعالج البنية العسكرية والعقائدية لمليشيا الحوثي، ولم تعزز قدرات الدولة الهشة بما يكفي لفرض سيادتها.
وعلى المستوى السياسي، وضعت قيادة الشرعية في صدارة برنامجها تثبيت مرجعية الدولة وإنهاء مظاهر الازدواجية التي أعاقت فاعليتها خلال السنوات الماضية، وهو ما أكده الرئيس العليمي بأن ما جرى مؤخراً في حضرموت والمهرة من إستعادة المعسكرات ليس إعادة توزيع للنفوذ داخل معسكر الشرعية، وإنما استعادة لوظيفة الدولة الطبيعية في احتكار استخدام القوة.
في هذا السياق، يبرز توحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية كأحد أهم التحولات، وهو ما تعتبره القيادة شرطاً لازماً لأي عملية سلام قابلة للاستدامة ويمكن فرضها على الحوثيين.
وهذه الرؤية أكد عليها أيضا عضو مجلس القيادة الرئاسي اللواء سلطان العرادة، في لقاءاته مع سفراء دول الاتحاد الأوروبي والسفير الأميركي، حيث قال إن التحديات الراهنة تتطلب تضافر الجهود الوطنية وتعزيز الدعم الدولي، محذراً من أن أي تراخٍ في الضغط على الحوثيين سيشجعهم على مواصلة التصعيد وتقويض المبادرات السياسية.
وربط العرادة بوضوح بين الدعم الاقتصادي العاجل وتمكين الحكومة من تحسين الخدمات، وبين تعزيز شرعية الدولة في مواجهة خطاب المليشيات الحوثية.
بين الإصلاحات والانضباط
يرتكز برنامج الحكومة الجديدة على ثلاث عناصر مهمة وهي؛ الانضباط المالي، واستقرار العملة، وتحسين الخدمات الأساسية، وفي هذا الإطار تؤكد قيادة الشرعية أن انتظام الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد، هي أدوات لاستعادة الثقة محليًا ودوليا وليست مجرد إجراءات خدمية فحسب.
في لقاءات الرئيس العليمي مع مسؤولين أوروبيين، طُرحت الحاجة إلى دعم فني مباشر لوزارة المالية والبنك المركزي، بما في ذلك بناء قدرات إدارة السياسة النقدية، وتطوير أنظمة الرقابة والحوكمة.
كما أكد على أهمية استئناف البرامج التنموية، وعدم الاكتفاء بالاستجابة الإنسانية الطارئة، وهذه النقلة من إدارة الاحتياجات إلى دعم التعافي المؤسسي تمثل، بحسب مراقبين، الفارق بين بقاء الدولة في حالة إسعاف دائم، وبين انتقالها إلى مسار الاستدامة.
وهنا يبرز دور رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين شايع الزنداني، ففي استقباله لسفراء ومسؤولين دوليين، شدد على أن الحكومة تسعى إلى شراكات تقوم على بناء القدرات ونقل الخبرات، لا على المساعدات الظرفية فقط.
وهو نفس التوجه الذي يتوافق مع دعوات متكررة من القيادة لتمكين المؤسسات الوطنية بما في ذلك البنك المركزي في عدن، كي تصبح قادرة على إدارة الموارد والمنافذ السيادية بكفاءة واستقلالية.
الأمن كمدخل للسلام
في البعد الأمني، تؤكد قيادة الشرعية أن مكافحة الإرهاب وردع التهديد الحوثي مساران متلازمان، والرئيس العليمي في أكثر من مناسبة، أشار إلى أن الفصل بين جماعة الحوثي والتنظيمات الإرهابية الأخرى بات أمراً نظرياً، في ظل تشابك شبكات التهريب والتمويل والعمليات.
ما يعني أن أمن البحر الأحمر وباب المندب لا يمكن ضمانه عبر ترتيبات بحرية فقط، وإنما يتطلب استراتيجية ردع شاملة تستهدف مصادر القوة غير المشروعة داخل البر اليمني بما في ذلك التنسيق القائم بين الحوثيين والتنظيمات الإرهابية.
وفي تصريحات لوزير الإعلام معمر الإرياني، اعتبر أن حضور الرئيس العليمي في ميونيخ يمثل محطة مفصلية لإعادة الحضور اليمني الفاعل في المحافل الدولية، وأن الرسالة الأساسية تمثلت في الربط بين أمن الملاحة واستقرار الدولة داخليا.
وأكد الإرياني أن اليمن لم يعد موضوعًا يُناقش في غياب ممثليه، مشدداً على ضرورة أن يكون طرفاً يعرض رؤيته ويدافع عن مقارباته القائمة على تمكين الدولة لا موازنة نفوذها مع المليشيات الحوثية.
عوائق بنيوية
رغم وضوح الرؤية تواجه قيادة الشرعية جملة من العوائق المعقدة، أولها هشاشة الاقتصاد الوطني واعتماده الكبير على الدعم الخارجي، في ظل تراجع الإيرادات النفطية وتذبذب أسعار الصرف.
كما أن استمرار سيطرة الحوثيين على مناطق واسعة وموارد استراتيجية، حدّ من قدرة الحكومة على فرض سياسات اقتصادية موحدة، هذا إلى جانب الإرث الثقيل للانقسام المؤسسي داخل معسكر الشرعية، الذي يتطلب وقتاً لإعادة بناء الثقة بين المكونات السياسية والعسكرية.
إضافة إلى ذلك، ثمة تحدي يتمثل في تباين أولويات المجتمع الدولي، الذي قد يميل أحيانًا إلى حلول سريعة لخفض التصعيد البحري، دون الانخراط الكامل في مشروع إعادة بناء الدولة.
وهنا تقع مسؤولية قيادة الشرعية اليمنية ممثلة بالرئيس العليمي، في إقناع شركائها بأن أي تسوية تتجاوز مسألة احتكار الدولة للسلاح ستؤسس لدورة عنف جديدة وأكثر ضراوة.
بين الواقعية والطموح
تدرك قيادة الشرعية أن الانتقال من خطاب الردع إلى واقعه يتطلب أدوات سياسية واقتصادية وعسكرية متكاملة، ولذلك هي تراهن على لحظة إقليمية ودولية لإعادة تشكل استراتيجي، مستفيدة من تصاعد الضغوط على إيران وأذرعها في المنطقة.
وقد أشار العليمي في أحد لقاءاته أن دعم الشرعية في اليمن هو استثماراً في أمن الخليج والبحر الأحمر وسلاسل الإمداد العالمية، وليس مجرد عمل تضامني وإنساني.
لكن نجاح هذه التوجه سيظل مرهوناً بقدرة الحكومة على تحويل التعهدات إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين من خلال توفير الخدمات المعيشية، فشرعية الدولة في نهاية المطاف، لا تُبنى فقط عبر الاعتراف الدولي، وإنما عبر قدرتها على أداء وظائفها الأساسية وتأمين حياة المواطن.
والمرحلة القادمة وفق ما تعكسه تحركات القيادة اليمنية، هي محاولة لإعادة صياغة العقد بين الدولة والمجتمع، وبين اليمن ومحيطه الإقليمي والدولي في لحظة اختبار لمدى قدرة الشرعية على الانتقال من إدارة التوازنات إلى فرض معادلة الدولة على الجميع، ومن استدعاء الدعم إلى توظيفه في بناء مؤسسات قادرة على البقاء.
ومن هذا المنطلق تبدو الرؤية التي تطرحها الشرعية واضحة، فلا أمن مستدام للممرات المائية دون دولة يمنية فاعلة، ولا سلام دائم دون تفكيك سلاح الحوثي وأي سلاح موازي لسلاح الدولة، كما لا يمكن التعافي الاقتصادي دون إصلاح مؤسسي.
وبين هذه الأساسات الثلاثة (السياسية والاقتصادية والأمنية)، تتشكل ملامح توجه قيادة الشرعية في إدارة المرحلة القادمة، وسط رهانات كبيرة وتحديات أكبر، لكن أيضاً هناك فرصة ترى فيها القيادة مدخلاً لإنهاء عقد من الانقلاب والانقسام في اليمن، لاستعادة الدولة كحقيقة على الأرض وليست شعارات.
تابع المجهر نت على X
