هندسة التحالفات.. هل تُعيد اتفاقية الدفاع الإماراتية مع الهند إحياء استراتيجية "إدارة الفوضى"؟ (تحليل خاص)

هندسة التحالفات.. هل تُعيد اتفاقية الدفاع الإماراتية مع الهند إحياء استراتيجية "إدارة الفوضى"؟ (تحليل خاص)

تتجاوز اتفاقية الدفاع المشترك بين الإمارات والهند إطار التعاون الاقتصادي، لتكشف عن محاولة لإعادة تموضع إقليمي في لحظة تتسم بتشابك الأزمات وتصدع التحالفات التقليدية، وهو بلا شك تحول لافت في حسابات أبو ظبي الاستراتيجية.

فالتقارب الإماراتي – الهندي، الذي تُوج بإعلان شراكة دفاعية استراتيجية، يأتي في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع توتر في العلاقات مع السعودية على خلفية الأحداث جنوب اليمن، ودور أبو ظبي في دعم مليشيات وكيانات انفصالية تتعارض مع الرؤية السعودية لأمن المنطقة ووحدة دولها.

كما يبدو أن الانفتاح على الهند بمثابة رهان إماراتي على شريك دولي صاعد، قادر على توفير غطاء سياسي وأمني خارج الإطار الخليجي، وتعويض أي تراجع محتمل في عمقها الاستراتيجي الخليجي.

ومن المؤكد أن هذا التوجه ينسجم مع طموحات أبو ظبي في تعزيز نفوذها على خطوط الملاحة في بحر العرب والقرن الإفريقي، وهي مناطق ارتبط اسم الإمارات فيها بدعم أطراف محلية مسلحة في اليمن والسودان والصومال، الأمر الذي فاقم هشاشة الاستقرار الإقليمي.

ولا ينفصل هذا التحرك عن إعادة تشكيل أوسع لخريطة التحالفات، في ظل تقارب (سعودي – تركي – باكستاني - ومصري) متنامٍ، يُنظر إليه كعامل ضغط إضافي على الدور الإماراتي، وعليه فإن الشراكة الدفاعية مع الهند تبدو كمؤشر على مرحلة جديدة من السياسة الإماراتية، عنوانها تنويع التحالفات والهروب إلى الأمام في إقليم مفتوح على مزيد من الاستقطابات.

 

”قوس الأزمات“

 

يرى الكاتب والسياسي السعودي سلمان العقيلي، أن تحركات أبوظبي الإقليمية خلال العقد الأخير تعكس تبنّيها نسخة محلية من نظرية "قوس الأزمات"، التي صاغها مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق "زبيغنيو بريجنسكي" أواخر السبعينيات، والقائمة على إدارة الفوضى من خلال أطراف الخصوم بدل مواجهتهم مباشرة.

وبحسب العقيلي، فإن الإمارات وظفت هذه المقاربة لتكريس نفوذ يتجاوز حجمها الطبيعي، عبر تطويق مراكز الثقل العربي وفي مقدمتها السعودية ومصر، من خلال استنزاف جغرافي واستراتيجي يمتد من اليمن والبحر الأحمر إلى القرن الإفريقي وليبيا وسوريا.

ويشير إلى أن التمركز الإماراتي في عدن والمخا وسقطرى وميون لم يكن دفاعياً، وإنما جزء من استراتيجية للسيطرة على خط الملاحة في خليج عدن وباب المندب، وتزامنت مع حضور اقتصادي وأمني في الصومال وإثيوبيا، بما وفر أدوات ضغط على الأمن البحري السعودي والأمن المائي المصري، وخلق موقعاً تنافسياً مع المشاريع الإقليمية المستقبلية للرياض والقاهرة.

وفي تدوينة له على "إكس" يحسب العقيلي حرب اليمن النموذج الأوضح لهذا النهج، حيث انتقل الدور الإماراتي من دعم التحالف إلى إدارة مسارات الصراع عبر دعم مليشيات وكيانات انفصالية، ما حوّل الحدود الجنوبية للسعودية إلى ساحة استنزاف مفتوحة.

كما امتد القوس حسب تعبيره، إلى السودان والقرن الإفريقي عبر تغذية الانقسامات وإطالة أمد الصراعات، إلى جانب تعزيز النفوذ على البحر الأحمر وخليج عدن، مع توظيف هشاشة الصومال لصالح ترتيبات إقليمية تخدم أبوظبي وحلفاءها.

وفي الداخل الخليجي، يلفت الكاتب سلمان العقيلي إلى أن أبوظبي عملت على تعطيل أي مسار توافقي يعيد التضامن الإقليمي، وهو ما تجلى في موقفها من مصالحة قمة العلا، ومحاولاتها إقصاء قوى إسلامية مؤثرة كتركيا وباكستان عن أي تقارب مع الرياض، بهدف إرباك المركزية السعودية دون تصادم مباشر.

ويخلص العقيلي إلى أن هذه الاستراتيجية تصطدم بعجز بنيوي، إذ تمتلك السعودية عمقاً جيوسياسياً وبشرياً وتاريخياً يجعل محاصرتها عبر "إدارة الفوضى" أمراً بالغ الكلفة، فمع التحولات السعودية الحديثة، انتقلت الرياض من منطق امتصاص الأزمات إلى تفكيكها كما حدث مع الانتقالي في اليمن.

 

قراءة أمنية

 

يستبعد باحث متخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية د. علي الذهب، ربط الاندفاع الإماراتي نحو اتفاقية دفاعية مع الهند بخلافاتها مع السعودية أو بتوتر علاقاتها الإقليمية في اليمن والصومال، مؤكداً أن العلاقات الخليجية مهما بلغت درجة تباينها، محكومة بأطر ثابتة لا تصل إلى حد دفع أبوظبي للبحث عن مظلة أمنية بديلة خارج الإقليم.

ويذهب في حديثه لـ"المجهر" إلى القول إن الدافع الحقيقي لهذا التقارب يرتبط بمتغيرات إقليمية أوسع، تتصدرها تطورات المشهد الإيراني واحتمالات انهيار النظام في طهران، وما قد يرافق ذلك من ردود فعل إيرانية تمس أمن الإمارات ودول الخليج، خصوصاً في حال انخراط بعضها بشكل مباشر أو غير مباشر في أي صراع أمريكي – إسرائيلي مع إيران.

وبحسب الذهب، فإن القلق الخليجي لا يقتصر على البعد العسكري فقط، وإنما يمتد إلى الأمن السياسي والاقتصادي والبحري، ما دفع عدداً من دول المنطقة وليس الإمارات وحدها، إلى تعزيز قدراتها الدفاعية تحسباً لمرحلة اضطراب إقليمي محتملة. 

وفي هذا الإطار، تكتسب الشراكة الإماراتية مع الهند بعداً عملياً، خاصة فيما يتعلق بأمن الملاحة البحرية ومواجهة تهديدات القرصنة والإرهاب والجريمة المنظمة وأمن المضائق الحيوية.

كما أن الاتفاقية تشمل إلى جانب التنسيق البحري، برامج تدريب واسعة لمختلف صنوف القوات، والتعاون في الصناعات الدفاعية، حيث تسعى الإمارات إلى تطوير قدراتها التقنية، لا سيما في مجال الطائرات غير المأهولة ووسائط نقل الجنود والعربات المدرعة، وهي قطاعات تتطلب دعماً وخبرة خارجية متقدمة.

ويخلص الذهب إلى أن تراجع النفوذ العسكري الإماراتي في اليمن والصومال، أو خلافاتها مع بعض دول الإقليم بما فيها السعودية وجيبوتي والسودان، لا يشكل العامل الحاسم في هذا التوجه، مؤكداً أن الاتفاقية مع الهند تُقرأ أساساً في إطار الاستعداد لتحولات استراتيجية كبرى في الإقليم، وليس كرد فعل على أزمات ثنائية أو إقليمية محددة.

 

تحالفات ناشئة

 

يرى الكاتب والمحلل السياسي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، أن الاتفاقية الدفاعية بين الإمارات والهند تمثل ما وصفه بـ"ضربة معلم"، معتبراً أنها تتجاوز التعاون التقليدي إلى مشاريع متقدمة، من بينها المجال النووي.

وفي تدوينة له على حسابه في إكس، يقول عبدالخالق إن ذلك بما يعكس عمقاً استراتيجياً جديداً في العلاقة بين البلدين، ومن وجهة نظره فإن هذا التحول يعود إلى قدرة أبوظبي على نسج شراكات نوعية مع قوى صاعدة خارج الإطار الغربي التقليدي.

في المقابل، يقدّم الكاتب والباحث المصري جمال سلطان، قراءة أكثر ارتباطاً بإعادة تشكيل المحاور الإقليمية، مشيراً إلى تزامن الاتفاقية الإماراتية – الهندية مع حديث الصحافة الإسرائيلية عن توجه حكومة نتنياهو لشراكة دفاعية واقتصادية مع الهند، بعد تعثر مسار التطبيع مع السعودية.

ويرى سلطان في تدوينته على "إكس" أن هذا التقاطع يعزز تقارير دولية عن تشكّل محور جديد يضم الإمارات والهند وإسرائيل، في مواجهة محور مضاد تقوده السعودية وتركيا وباكستان.

أما رئيس تحرير صحفية عربي21 الكاتب والباحث الفلسطيني فراس أبو هلال، فيضع الاتفاقية ضمن إطار استقطاب حاد، معتبراً أن توقيع الإمارات اتفاقاً دفاعياً مع الهند، بوصفها أحد أبرز حلفاء الاحتلال الإسرائيلي، يكرّس وجود تحالفين متناقضين في المنطقة.

ويشير أبو هلال في حسابه على "إكس" إلى أن انضمام إسرائيل إلى أي محور إقليمي يجعله بحكم التعريف، معادياً للمصالح العربية والإسلامية، في وقت ما تزال فيه دول مركزية مثل مصر، في موقع متردد بين المعسكرين. حد تعبيره.

 

الأقطاب الدولية

 

من زاوية أخرى، يقرأ الكاتب والصحفي اليمني عباس الضالعي، التقارب الإماراتي – الهندي بوصفه جزءاً من تموضع أوسع في أقطاب دولية غير منسجمة مع المحيط العربي والإسلامي، لافتاً إلى أن اصطفاف أبوظبي مع الهند في مواجهة الصين وباكستان، ومع إثيوبيا في مواجهة مصر، ومع إسرائيل في مواجهة قوى إقليمية كتركيا والسعودية.

ويرى الضالعي في تدوينته، أن هذا التحالف المركّب يتجاوز حسابات القيادة الإماراتية نفسها، ويرتبط بتصورات أمريكية أوسع لإعادة هندسة المنطقة.

في حين يقدّم الكاتب والمفكر السوداني مكاوي الملك، قراءة تقوم على منطق القلق، معتبراً أن ما يجري بين الهند والإمارات هو إعادة تموضع سياسي أمني في لحظة إقليمية حرجة.

ويرى مكاوي، أن نيودلهي تتحرك بعقل بارد لحماية ممرات الطاقة ومصالحها، بينما تبحث أبوظبي عن مظلة بديلة في ظل تصدّع علاقتها مع السعودية وتراجع مستوى الاعتماد على المظلة الأمريكية.

ويشير في تدوينة له على حسابه في "إكس"، إلى أن الصفقات الدفاعية تعكس خشية إماراتية من تحولات موازين القوى، لا سيما في ظل تطورات غزة وإيران، محذراً من أن المناورة على جميع الحبال قد تنتهي بسقوط صاحبها أولاً.

 

سباق التحالفات

 

إلى الاتفاقية الإماراتية الهندية هناك اتفاقية دفاع مشترك بين قطر والصومال أُعلن عنها أيضاً، أمس الاثنين، ما يعكس بحسب مراقبين، دخول المنطقة مرحلة إعادة اصطفاف أمني وسياسي حاد، تتداخل فيها التحالفات مع صراعات النفوذ، وتتحول فيها الدول الهشّة في القرن الإفريقي واليمن إلى ساحات صراع بالوكالة، في ظل سباق محموم على السيطرة على الممرات البحرية ومفاتيح الأمن الإقليمي.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع تقوده إسرائيل عبر أدوات إقليمية لتقويض أي تحالف إسلامي ناشئ ذي ثقل، وعلى رأسه التحالف الذي تتبلور ملامحه حول السعودية، فيما يُنظر إلى الدور الإماراتي بوصفه الأكثر وضوحاً في هذا المسار، من خلال تموضع استراتيجي يتعارض مع التوجه العربي والإسلامي الجامع، ويسعى إلى خلق توازنات موازية تُربك مركز القوة بدل الالتحاق به.

كما أن الاندفاع نحو اتفاقيات دفاع منفردة مثل الشراكة بين الهند والإمارات، يُقرأ كجزء من سياسة تشتيت متعمدة تهدف إلى إضعاف التحالف (السعودي – الباكستاني – التركي - المصري) المرتقب، ومنع تشكّل مظلة أمنية عربية وإسلامية جامعة، عبر إحاطة هذا التحالف بمحاور مضادة.

في المقابل، تُفهم الاتفاقية القطرية – الصومالية كخطوة مضادة في ساحة القرن الإفريقي، ومن المُرجح أنها تأتي للحد من تمدد المحور (الإماراتي – الإسرائيلي –الإثيوبي)، ومنع احتكار النفوذ في خليج عدن والبحر الأحمر، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من تحوّل اليمن إلى ساحة مواجهة مركزية بين هذه الاصطفافات المتقابلة.

وهو ما أكدت عليه قناة "الإخبارية" السعودية، حيث وصفت ما يجري بأنه "مشروع إسرائيلي يرتدي عباءة أبو ظبي" لاستهداف أمن السعودية ومصر، الأمر الذي عمَّق الغضب في الرياض، ودلالة على أن كلفة هذا المسار ستكون عالية.

ومما لا شك فيه، أن بين منطق بناء تحالف إسلامي مركزي يقود الاستقرار، ومنطق إدارة الفوضى عبر محاور موازية، ستتحدد ملامح الصراع الإقليمي في المرحلة المقبلة.