ما الذي يتعين على السعودية عمله لطمأنة اليمنيين؟

تتجه أنظار اليمنيين هذه الأيام نحو الرياض، بشكل مختلف عن المرحلة الماضية، وكلهم أمل في أن يساهم الثقل السعودي في الأخذ بيدهم من أجل تأسيس أنموذج حقيقي للدولة الكفؤة القادرة على النهوض بالاستحقاقات السياسية والأمنية والاقتصادية، وردم الفجوة بين المكونات الوطنية التي تسببت بها حملات التحريض الممولة إقليمياً، وإنهاء كافة مظاهر التمرد القائمة في العاصمة السياسية المؤقتة عدن، وتأمين المناخ المناسب للمكونات اليمنية ولرئيس الحكومة المكلف من أجل تشكيل حكومة بثقل سياسي، وتعبر عن توافق وطني، ويتمتع أعضاؤها بالكفاءة، وتمارس مهامها من عدن.

الجدل الذي يدور حول تشكيل الحكومة لا يبعث على الاطمئنان، إنه يتحول إلى ما يشبه "حفلة زار" لطرد الأحزاب والمكونات السياسية من الجسم الوطني، والتخلص من المنظومة السياسية التي تمثل مرجعية وطنية ترتبط بها استحقاقات العملية السياسية برمتها، وما يتصل بها من توافقات.

وهناك من تطوع بحماس لتسويغ هذه الحفلة وتنشيطها وإضافة المزيد من الصخب حولها، انطلاقاً من تقدير خاطئ، يرى أن الأحزاب هي سبب ما تعاني منه البلاد، والحقيقة أن الأحزاب ليست هي المشكلة بل التدخلات الخارجية هي المشكلة وهي التي تعمق اليأس لدينا جميعاً، ليس فقط بقدرة الأحزاب وكفاءتها كما يروج البعض، بل أيضاً بقدرة اليمنيين جميعاً على إيجاد حلول ومخارج من الأزمة التي تعصف ببلدهم. 

يمكن لحكومة الدكتور شائع محسن الزنداني المقبلة أن تؤسس لمرحلة تحول في مستوى الأداء وفي استقلالية القرار، وفي الالتحام بقضايا وأوليات الشعب اليمني، وامتلاك القدرة على مواجهة التحديات ومعالجتها، وتحرير الموارد الوطنية، وهذا الأمر سيتحقق بطاقم وزاري يمتلك الإرادة السياسية ويتمتع بمرجعية وطنية واضحة. وبدلاً من أن نرمي الحكومة المقبلة بداء المحاصصة، يمكن أن النظر إليها بأنها انعكاس لتمثيل سياسي متوازن، حتى مع تطبيق معيار المناصفة التي تقتضيها طبيعة المرحلة الانتقالية، وفقاً لمخرجات الحوار الوطني.

يحتاج اليمنيون إلى الاطمئنان بشأن الأجندة السعودية بعد أن تحررت من الشريك السيء. أقول ذلك لأن ثمة رسائل متضاربة ينتجها المشهد الاحتجاجي في عدن، بين إصرار على فرض الانفصال، من خلال ساحة العروض، واستمرار القيادات الجنوبية المتواجدة في الرياض بخيار الانفصال، مع قابلية ملحوظة من قبل الإعلام السعودي للتعاطي مع الشعارات الانفصالية المرفوعة في ساحة العروض، باعتبارها مؤشرات على أحقية المحتجين في بلوغ أهدافهم في الانفصال.

هذه الرسائل بددت اليقين الذي تشكل لدى اليمنيين خلال الأسابيع الماضية تجاه النوايا السعودية، وهزت القناعات لديهم بأن الأمور تتجه نحو الأفضل، وأن جهود التسوية ستمضي بقوة الدفع السعودية، في مسار ينتهي إلى استعادة نفوذ الدولة وإنهاء الانقلاب، وخفض السقف السياسي للقضية الجنوبية من الانفصال إلى الصيغة الاتحادية ضمن الجمهورية اليمنية.

ولا يخفى على أحد ما يتسبب به هذا الاضطراب في المسار من ضغوط هائلة على الأغلبية العظمى من أبناء الشعب اليمني التي ترى أن بلدها ذاهبٌ نحو التقسيم والتمكين للجماعات المسلحة وأجنداتها الطائفية والانفصالية، وأن الخيارات محدودة للغاية أمام هذا الشعب، فأما أن يبقى في ظل الفوضى الحالية، أو يقبل بالعيش تحت سطوة الأقليات المسلحة المتوترة طائفياً ومناطقياً.

على مدى عشر سنوات، تكبد القسم الأكبر من سكان الجمهورية اليمنية خسائر متعددة المستويات، سياسية واقتصادية ونفسية، جراء تغول القضية الجنوبية وقضية صعدة اللتين انتجتا انقلابيين كارثيين، الأول أدخل البلاد في حرب أهلية، والثاني وضعها على حافة التقسيم السياسي والجغرافي والارتهان للهيمنة الصهيونية عبر البوابة الإماراتية.

والتداعيات الكارثية لأحداث السنوات العشر الماضية، لم تعد تعصف باليمن فحسب، ولكنها أيضاً شكلت تهديداً لجيرانه، واستجلبت لاعبين سيئين يتقدمهم الكيان الصهيوني، وأغرتهم على التفكير في إمكانية توظيف الجغرافيا اليمنية في الصراعات ذات الطابع الإقليمي والدولي، لأن أحد بلدان التحالف رأى أن بوسعه تعزيز موقفه في بنية هذا التحالف، وإطلاق يده في التصرف كما يشاء في اليمن، من خلال التخادم مع الكيان الصهيوني، وإغرائه على استخدام النقاط الحيوية في بر اليمن وبحره، ضمن مخططه للهيمنة والتوسع وإسناد عدوانه على الشعب الفلسطيني وعلى بلدان المنطقة.