بينما كانت التوقعات تشير إلى انكفاء تكتيكي لجماعة الحوثي الإرهابية، عقب سلسلة الضربات الجوية المركزة (الأمريكية - الإسرائيلية) التي طالت عمق بنيتها العسكرية وأجهزتها السياسية، قررت الجماعة إعلان "التعبئة العامة" والعودة إلى مربعات التحشيد العلني، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول دوافع الضجيج العسكري للحوثيين مؤخراً.
فالجماعة التي تعاني من أزمة معقدة في قنواتها الاقتصادية، يبدو أنها تحاول عبر هذه الحشود إيصال رسالة للداخل اليمني، ممثلاً بالحكومة المعترف بها دوليًا، والتي بدأت خطوات جادة في توحيد القرار العسكري والأمني وبسط نفوذها في المحافظات المحررة جنوب وشرق البلاد؛ لأن الحوثيين يرون في هذا التماسك خطراً وجودياً يهدد مشروعهم، ما يجعلهم يلجؤون للتصعيد الميداني كمحاولة لإرباك مسار استعادة الدولة وتشتيت جهودها.
وفي المقابل، هناك رسالة إقليمية يوجهها الحوثيون نحو طهران، ففي ظل احتدام الصراع (الإيراني - الأمريكي) ووصول التهديدات بتوجيه ضربة عسكرية ضد النظام الإيراني إلى ذروتها، يسعى الحوثيون لتأكيد حضورهم كذراع إقليمي مستعد للانتحار السياسي والعسكري لحماية نظام الخميني في طهران، مظهرين جاهزية قتالية -وإن كانت هشة- للعب دور "المشاغب الإقليمي"، وهي محاولة لوضع حاجز صد لتخفيف الضغط عن الداعم الأكبر للجماعة.
التحولات الإقليمية
تبدو تحركات الحوثيين الأخيرة في جبهات تعز، وكذلك الحشد والتعزيز باتجاه جبهات أخرى، كمحاولات يائسة لإعادة ترميم صورة الجماعة العسكرية التي تعرضت لعملية إفراغ ممنهجة جراء الغارات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة.
والمراقب للوضع الميداني، يلاحظ أن الدفع بالتعزيزات نحو لحج والضالع ومأرب والحديدة، يأتي في ظل وضع اقتصادي خانق يعصف بمناطق سيطرة الحوثيين، وهنا تتحول التعبئة العامة من ضرورة عسكرية إلى "أداة إلهاء" سياسية. إذ تهدف الجماعة إلى امتصاص الغضب الشعبي وتوجيهه نحو عدو خارجي مفترض كعادتها، في محاولة للتغطية على الفشل الإداري وتآكل الولاءات القبلية والتجارية نتيجة العقوبات والضربات التي أضعفت هيكلة القيادة والسيطرة.
وعلى الرغم من محاولات إظهار التماسك، فإن التكتيك العسكري الحوثي الراهن ما زال يبدو مرتبكاً تحت وطأة الرقابة الجوية اللصيقة والضغوط الدولية، فالحشود التي كانت تُمنع خوفاً من الاستهداف الجوي، باتت اليوم تُدفع للميدان كأوراق ضغط أخيرة على طاولة التفاهمات الإقليمية.
كما أن الجماعة تدرك جيداً أن كل المؤشرات محلياً وإقليمياً، تتجه ضد بقائها في حال نجحت قوى الشرعية في إتمام توحيد صفوفها، ولذلك فإن هذا التحشيد هو محاولة لفرض واقع ميداني جديد يسبق أي تسوية قد تضع الجماعة أمام خيارين أحلاهما مُر؛ فإما الخضوع للاتفاقات أو المواجهة الشاملة مع جيش وطني موحد ومدعوم إقليمياً.
وفي كل الأحوال يحاول الحوثيون الهروب من المتغيرات الدولية والإقليمية الراهنة من خلال التعبئة العسكرية، فالجماعة لا تجد سوى لغة الحشد المسلح لإثبات أنها لا تزال لاعباً مؤثراً، رغم أن الواقع الميداني يؤكد أن المشروع الحوثي يواجه عزلة خانقة مالم تقتنع الجماعة بأن اللعب على التناقضات الإقليمية لم يعد مجديًا.
جغرافية التصعيد
وجدت جماعة الحوثي نفسها أمام ضغوط إقليمية ودولية غير مباشرة، ما جعلها تعود إلى التصعيد العسكري والدعوة للتعبئة، وهو تحرك يراه مراقبون محاولة لترميم بنية الجماعة المتهالكة، إلا أن ذلك يثير تساؤلات حول دوافع هذا الاستنفار في ظل وضع اقتصادي وعسكري هو الأصعب على الحوثيين منذ العام 2015م.
ويرى الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية د. علي الذهب، أن التصعيد الأخير في تعز ليس حدثاً معزولاً عن التحولات المحلية والإقليمية، فهو تحرك استباقي لمواجهة ارتدادات توحيد الصفوف في معسكر الحكومة الشرعية، خصوصاً على الصعيدين الأمني والعسكري.
وأوضح الذهب في حديثه لـ"المجهر"، أن الهجمات الحوثية الأخيرة التي تركزت على الجبهات الشمالية الشرقية والغربية لتعز، تعد غير مسبوقة منذ بدء الهدنة الإنسانية، ما يشير إلى أن الجماعة تهدف من خلال هذه المغامرات الميدانية إلى تحقيق اختراق معنوي يُسكت الأصوات المناوئة في الداخل.
ويربط الذهب بين الهجوم على جبهة "الدفاع الجوي" ومنع هبوط طائرة الخطوط الجوية اليمنية في مطار المخا كرسائل سياسية وعسكرية مزدوجة تستهدف نفوذ الشرعية في الساحل الغربي وعمقه الاستراتيجي في مدينة تعز ومحيطها.
من جانبه، يفسر الخبير العسكري العميد محمد عبدالله الكميم حالة الاستنفار الحوثي بوصفها محاولة لرفع معنويات "القطيع" المنهارة بعد فشل رهانات الجماعة على حدوث انقسامات داخل صفوف الشرعية. ويؤكد الكميم لـ"المجهر" أن الحوثي فقد زمام المبادرة وتحول إلى وضعية الدفاع منذ عام 2022 عقب الهدنة الأُممية، مبيناً أن "تحركاته الحالية هي مناورة يائسة لإيصال رسائل طمأنة لميليشياته بأنه لا يزال قادراً على الفعل".
إلا أن هذه التعبئة تصطدم بواقع مالي واقتصادي صعب ومعقد، حيث يشير د. الذهب إلى أن حشد القوة البشرية يتطلب موارد ضخمة (سلاح، غذاء، ومرتبات) في وقت تعيش فيه الجماعة أزمة مالية خانقة نتيجة تضرر مواردها في الموانئ والمطارات والمصانع. ويرى الذهب أن الجماعة عاجزة عن سد الفجوات التي خلفتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية، لكنها تعول على استطالة الأزمة اليمنية لتحقيق مكاسب دفاعية محدودة تدعم المحور الإيراني.
أجندة إقليمية
يتفق كثيرون على أن التحشيد الحوثي مرتبط عملياً بالتوتر الإقليمي بين طهران وواشنطن، وهو ما أكد عليه المحلل والخبير محمد الكميم، بأن الجماعة باتت تلعب على المكشوف كذراع لإيران، محاولةً إشغال العالم في البحر الأحمر بعمليات "غوغائية" لتخفيف الضغط عن طهران.
وفي قراءة للأبعاد الاستراتيجية، يذهب الباحث علي الذهب إلى الاعتقاد بأن الحوثي يحاول الوصول إلى الساحل، حيث يسعى لخلق "طوق" يمتد من مناطق سيطرته وصولاً إلى المرتفعات الحاكمة التي تطل على طريق (تعز- المخا). والهدف من ذلك وفقًا للذهب، ليس عسكرياً فحسب، بل يمتد لفتح منافذ تهريب جديدة (للسلاح والمخدرات) بعيداً عن الرقابة الدولية المشددة على موانئ الحديدة، وتعزيز مواقعهم الدفاعية لمواجهة أي ضربات استباقية تستهدف حلفاء إيران في المنطقة.
وعلى مستوى البنية الداخلية، يواجه الحوثيون حالة من العزل الدولي والانكشاف الشعبي بشكل غير مسبوق، ويشير العميد الكميم إلى أن سياسة الخنق الاقتصادي بما في ذلك عقوبات الخزانة الأمريكية ونقل البنك المركزي وضرب العصب المالي للميليشيا، قد بدأت تؤتي ثمارها بوضوح. وهذا التضييق وفقًا لتحليل الكميم، جعل الجماعة تعجز حتى عن تشكيل حكومة أو إيجاد بدائل لقياداتها التي تعيش حالة رعب واختراق في دوائرها الضيقة والمتوسطة.
وبالنظر إلى الواقع الميداني والعملياتي، فإن استعراض القوة الحوثية هو انعكاس لأزمة هيكلية عميقة مرتبطة بحساباتها الإقليمية المتأرجحة، فبين الضغوط المحلية والخارجية تعتقد الجماعة أنها بانتظار معركة فاصلة مع إدراكها بأنّ المؤشرات الميدانية والسياسية لم تعد تميل لصالحها كما كانت في السابق.
رهانات فاشلة
في قراءته لخلفيات هذا التصعيد، يرى الخبير العسكري محمد الكميم، أن الحوثيين اكتفوا خلال الفترة الماضية بدور المتفرج سياسياً وعسكرياً وإعلامياً، مراهنين على اندلاع معارك جانبية بين قوى الشرعية في حضرموت والمهرة. وأوضح الكميم أن الجماعة كانت تترقب حالة من الإنهاك أو الارتخاء في جبهات الحكومة للانقضاض على أي ثغرة، لاسيما في الساحل الغربي وتعز اللتين تمثلان جبهة موحدة بحكم مصيرهما المرتبط ببعض.
إذ إن تحرك بعض ألوية العمالقة من الساحل الغربي باتجاه المحافظات الشرقية جعل الحوثيين يستعدون عسكرياً لاختراق جبهة الساحل، إلا أن النتائج جاءت مخيبة لآمالهم، وفقًا للكميم الذي أشار إلى أن حسم الأمور لصالح الشرعية شرقاً، حول تلك الأحداث إلى رافعة نصر عززت من تماسك الدولة.
وتبلور ذلك النجاح بإجراءات هيكلية تُوجت بتشكيل اللجنة العسكرية العليا وتوحيد المرتبات وإعادة ترتيب المشهد القيادي بما يخدم وحدة القرار. ومع إمكانية تلاحم أبطال الجيش الوطني وألوية العمالقة وكافة التشكيلات المنضوية تحت معسكر الشرعية، مدعومين ببيئة شعبية في الشمال تنتظر الفرصة لتلفظ المشروع السلالي، سيجد الانقلاب الحوثي نفسه أمام حالة من الارتباك التنظيمي والعسكري تجعله مهزوماً مسبقاً أمام أي تحرك جاد ومسؤول.
وهذا يؤكد أن التحشيد الحوثي الحالي رغم ظهوره بطابع هجومي بتعز، ليس إلا درعاً دفاعياً لمواجهة مرحلة جديدة بدأت ملامحها تتشكل، لإنهاء المعاناة الإنسانية التي طال أمدها في البلاد، ووضع حد لمشروع التخريب الإقليمي بزعامة إيران الذي بات يلفظ أنفاسه على أسوار تعز ومأرب. كما أن المسألة اليوم لم تعد تتعلق بالقدرة العسكرية فقط، فالكفة باتت تميل بوضوح لصالح استعادة مؤسسات الدولة، وهذا وفق مراقبين، مرتبط بقرار سياسي موحد يفصل اليمنيين عن مرحلة استعادة العاصمة صنعاء.
مغامرة حوثية
اندفع الحوثيون نحو تصعيد عسكري غير مضمون في الداخل اليمني، بينما تنشغل المنطقة بقرع طبول الحرب الإقليمية ضد داعمها الرئيسي ممثلاً بنظام طهران، وهو ما جعل الجماعة تحاول فرض طوق عسكري يؤمن لها منافذ تهريب بديلة للأسلحة والتقنيات العسكرية بعيداً عن الرقابة الدولية اللصيقة التي خنقت موانئ الحديدة.
وخلف شعارات التعبئة العامة، تضخ الجماعة آلاف المقاتلين من معاقلها في صعدة وعمران وصنعاء وذمار وحتى من المناطق الوسطى نحو الجبهات، في عملية مزج بين التحشيد القتالي والتعبئة المعنوية المكثفة، غير أن هذا الضجيج العسكري يخفي وراءه أزمة بقاء مشروعه الطائفي.
فالجماعة التي فقدت عصبها المالي وتضررت مواردها في الموانئ والمصانع، تختار تصدير الأزمة إلى الجبهات بدلاً من مواجهة الواقع السياسي والإداري، رابطة مصيرها بالتوترات بين طهران وواشنطن، في محاولة لتعزيز مواقعها الدفاعية كجزء من أوراق الضغط الإيرانية في المنطقة لا أكثر.
وعلى الجهة الأخرى، تبدو الصورة مغايرة تماماً لما كانت عليه في سنوات الانقلاب الأولى، ففي مقابل الانحسار الحوثي والعزلة الدولية والسخط الشعبي المتنامي في مناطق سيطرته، تتجه قوات الشرعية اليوم لتكون كتلة عسكرية صلبة وموحدة أكثر من أي وقت مضى. ونجاح المجلس الرئاسي في دمج القوات المسلحة تحت مظلة اللجنة العسكرية العليا، لا سيما القوات غير المنضوية في إطار وزارتي الدفاع والداخلية، وتوحيد آليات صرف المرتبات إلى جانب توحيد الخطاب السياسي والإعلامي، من شأنه أن ينقل زمام المبادرة كلياً إلى يد سلطات الشرعية لاستعادة المؤسسات بعدما كان الحوثيون هم من يبادرون في الهجوم.
تابع المجهر نت على X
