تمثل التطورات المتسارعة جنوب وشرق اليمن لا سيما في محافظتي حضرموت والمهرة، نقطة تحول جوهرية في مسار القضية اليمنية، ليس فقط لكونها أعادت رسم موازين القوى في المناطق المحررة، فهي كذلك وضعت جماعة الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، في دور المناورة السياسية والإعلامية حول مستقبل العملية السياسية في البلاد.
وبينما بدأ مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، بالدفع نحو استعادة وحدة القرار السيادي من خلال الإعلان عن تشكيل اللجنة العسكرية العليا تمهيداً لحسم الملف اليمني مع الجماعة "سلماً أو حرباً"، لجأت ماكينة الحوثيين الإعلامية والسياسية بالعمل على صياغة خطاب مضاد يهدف إلى محاولة تفريغ هذه التحركات من محتواها الوطني، وتصويرها كجزء من صراع نفوذ إقليمي.
هذا المشهد المعقد كشف عن إخفاء الحوثيين لقلقهم من نجاح قيادة الشرعية في ترميم تصدعاتها الداخلية، وهو النجاح الذي يمثل التهديد الوجودي الأكبر لمشروع الجماعة الطائفي شمال اليمن.
خطاب قلق
يحاول الحوثيون استباق أي توجه حاد لتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية في المناطق المحررة تحت مظلة واحدة بعد استعادة المعسكرات من قوات المجلس الانتقالي "المُنحل" في حضرموت والمهرة، مع إدراك الجماعة بأن التحركات التي جاءت نتيجة ضغوط إقليمية من قبل المملكة العربية السعودية أكثر من كونها محلية، هي لإنهاء حالة التشظي في معسكر الشرعية التي استمرت لسنوات.
وعلى هذا الأساس ظهر خطاب الحوثيين لنزع الشرعية عن هذه الخطوات، عبر تصويرها كإدارة سعودية مباشرة تهدف للسيطرة على الثروة، وهي محاولة لخلط الأوراق وتوجيه الأنظار نحو بعبع "العدوان" هروباً من استحقاق استعادة الدولة المختطفة لديهم لأكثر من عقدٍ من الزمن.
وفي قراءة لخطاب زعيم الجماعة، الخميس الماضي، وصف عبدالملك الحوثي ما جرى في حضرموت والمهرة باعتباره فقط صراع إرادات بين الرياض وأبوظبي، مُفسراً سيطرة "أدوات الإمارات" شرقاً بأنها خط أحمر سعودي.
هذا التوصيف هو استراتيجية حوثية تهدف إلى التقليل من التحولات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، عبر الإيحاء لمناصريه بأن القرار اليمني مصادر بالكامل، وأن أي تحرك عسكري أو أمني جديد هو تنفيذاً لأجندات خارجية فقط.
غير أن هذا الخطاب الهجومي يخفي خلفه خشية حقيقية من أن يؤدي الخلاف السعودي الإماراتي إلى إعادة تموضع أكثر صلابة للتحالف بقيادة السعودية، خاصة مع ظهور مؤشرات على رغبة الرياض في حسم الملف اليمني العالق بدءاً بتوحيد الجبهة المناهضة للحوثيين.
وبالتوازي مع خطاب زعيم الجماعة، ذهبت قناة "المسيرة" ووسائل الإعلام التابعة للجماعة إلى التركيز على فكرة "انكسار العاصفة" كما وصفت تطورات الملف اليمني في أحد تقاريرها.
وهذا التركيز هو محاولة يائسة لخلق قناعة لدى الشارع اليمني في مناطق سيطرتها بأن مشروع استعادة الدولة قد فشل وأن البقاء للأقوى على الأرض، إلا أن المواطن هناك مدرك بأن هذا الخطاب الإعلامي يصطدم مع حقيقة أن الجماعة عجزت عن تقديم نموذج لسلطة مستقرة، مما يجعلها تهرب إلى استثمار أزمات الآخرين لتغطية إخفاقاتها التنظيمية في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها.
الرهان الصامت
مقابل هذا الخطاب الإعلامي العام، انتهج الحوثيون سياسة المناورة الصامتة تجاه التفاصيل السياسية والأمنية في المناطق المحررة، وهذا الصمت عبر عنه القيادي في الجماعة محمد الفرح، باعتبار أن المشهد سيظل جامداً هناك، وهو ما يشير إلى أن الجماعة تعتقد بأن أطراف الشرعية تستنزف قواها في صراعات محلية حول التمثيل والنفوذ.
فالجماعة تراهن على أن تعقيدات القضية الجنوبية، بمطالبها الخدمية والسياسية، ستعيق أي توجه لقوات الشرعية نحو الجبهات الشمالية، ومع ذلك فإن هذا الرهان لا يبدو مضموناً، إذ إن إمكانية نجاح لمجلس القيادة الرئاسي في احتواء غضب الشارع الجنوبي سيجرد الحوثيين من أهم أوراقهم الدعائية في هذه المرحلة، وهي ورقة فشل الشرعية في إدارة المناطق المحررة.
كما أن موقف برلمان صنعاء (الخاضع للجماعة)، والذي اعتبر تشكيل اللجنة العسكرية العليا "تفريطاً بالسيادة"، يمثل ذهابها لمحاولة "قوننة" رفضها لأي تقارب يمني – يمني يشكل قوة متماسكة ضدها، فالحوثيون لا يرون في توحيد القرار العسكري خطوة نحو مساومتهم في السلام، وإنما لفرضه بالقوة.
والربط بين ترتيب صفوف الشرعية وبين العدو الإسرائيلي وأدواته كما ورد في تدوينة القيادي محمد الفرح، يهدف إلى إخراج الصراع من سياق الاستحقاقات الوطنية إلى مزاعم صراع المحاور الإقليمي، لأن ذلك يمنح الجماعة ذريعة متواصلة للتنصل من الالتزامات السياسية التي تأتي على حساب نفوذها والتمسك بخيار التصعيد العسكري تحت ادعاءات "المواجهة الوجودية".
ولم تكتفِ الجماعة بخطابها السياسي، وذهبت في محاولة التعليق على الاحتجاجات الشعبية جنوباً، حيث سعى عبد الملك الحوثي إلى تصوير المظاهرات في عدن كأنها ثورة ضد التحالف بقيادة السعودية، متجاهلاً أن ذلك ناتج عن مطالب سياسية بالانفصال وأخرى خدمية، وهو فشل تتحمل الجماعة جزءاً كبيراً من مسؤوليته التاريخية بسبب انقلابها وحربها المستمرة ضد اليمنيين وتعميق معاناتهم.
ويحاول زعيم الجماعة استثماره ليس تضامناً مع أبناء الجنوب، وإنما للمناورة عبر إظهار جماعته كطرف متضامن مع المظلوميات في كل اليمن، بينما هي في الواقع تمارس أقسى أنواع القمع والتجويع في مناطقها.
وتندفع الجماعة نحو التظاهر بذلك مع ربطه بما تسميه "معركة البحر الأحمر" ومناصرة "القضية الفلسطينية"، لكي تجد مبرراً لها بمواصلة التعبئة العامة وحشد المقاتلين تحت شعارات كبرى، بينما الهدف الحقيقي هو الاستعداد لمواجهة التشكيلات العسكرية التي تسعى الشرعية لتوحيدها وإعادة تنظيمها في المناطق المحررة.
معادلة معقدة
في قلب هذا المشهد، تبرز رؤية الحوثيين للعملية السياسية كعملية فرض أمر واقع وليست شراكة، فتدوينة محمد عبد السلام رئيس وفد الجماعة المفاوض، في منصة "إكس" تشير بوضوح إلى أنهم يرون في انسحاب الأطراف الإقليمية فرصة لفرض واقع جديد تكون فيه الجماعة هي المركز.
كما أن تمسك عبدالسلام بالمحددات الجماعة لحماية نفوذها ومطالبتها بصرف الرواتب من موارد النفط والغاز الواقعة تحت سيطرة الشرعية، يعكس منطق الحوثيين المعروف في الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية دون تقديم أي تنازلات.
وهذا يعني عملياً، أن الجماعة ترفض أي مسار سياسي قائم على الشراكة، وبما أنها تُعرِّف الشرعية والسيادة وفق مقاييسها الخاصة، فإنها تغلق الباب أمام أي تعريف جامع لمستقبل القضية اليمنية.
وبالتالي، فإن أي نجاح يحققه مجلس القيادة برئاسة العليمي في توحيد القوى العسكرية والأمنية سيُنظر إليه في صنعاء كإعلان حرب، مما يفسر حالة الاستنفار الأمني والعسكري المكثف التي شهدتها مناطق سيطرتهم بالتزامن مع أحداث حضرموت والمهرة.
احتمالات استراتيجية
تشير مجمل التحولات جنوب وشرق اليمن وردود الفعل الحوثية تجاهها، إلى أن البلاد تقترب من لحظة مفصلية، حيث أن الجماعة الآن في وضع دفاعي تغطيه بالخطاب السياسي، فهي تدرك أن استقرار المناطق الشرقية والجنوبية تحت قيادة عسكرية موحدة سيعني بالضرورة توجيه ثقل هذه القوة نحو الشمال لاحقاً.
ولذلك فإن استراتيجية الحوثيين الراهنة، تقوم على محاولة تعميق الخلافات البينية عبر إذكاء التنافس بين القوى المحلية في المناطق المحررة، وشيطنة تحركات قيادة الشرعية بتصويرها كأدوات لأجندات أجنبية، والتعبئة العامة استعداداً للحظة التي قد يتحول فيها خيار الحرب الذي لوح به العليمي إلى واقع فعلي.
في المقابل، يظل الرهان الحوثي في خطابه على تآكل مكونات الشرعية، هشاً إذا ما اقترن بتحرك حكومي جاد يلامس حاجة المواطنين في المناطق المحررة خاصة في المحافظات الجنوبية المحتقنة، فإذا نجحت الشرعية في تحويل التحديات الأمنية في هذه المحافظات إلى فرص لبناء نموذج مؤسسي، فإن الرهان الحوثي سينهار تماماً.
وإجمالاً، فإن الجماعة اليوم تقف أمام معادلة صعبة، إما القبول بتسوية سياسية ضد طموحها في الهيمنة الكاملة، أو المضي نحو مواجهة عسكرية شاملة قد لا تكون نتائجها مضمونة كما في السابق، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة بما في ذلك الاحتجاجات الشعبية الإيرانية وإمكانية سقوط النظام في طهران.
ويبقى مستقبل العملية السياسية مُعلقاً على قدرة المجلس الرئاسي في ترجمة وحدة القرار إلى واقع ملموس، لأنه وبغض النظر عن الخطاب الحوثي، فإن مصداقية الأطراف داخل معسكر الشرعية، هو الذي سيحدد ملامح المرحلة القادمة.
كما أن ذلك سيمثل اختبار حقيقي لمدى قدرة الجماعة على مواجهة قوة موحدة تهدف لاستعادة مؤسسات الدولة كما لم يحدث منذ بداية الحرب في العام 2015م، ووفقاً للخيارات التي حددها الرئيس العليمي للتعامل مع الحوثيين، هل تمضي البلاد في نهاية المطاف نحو سلام مستدام أم تتجه نحو دورة جديدة وأكثر عنفاً من الصراع لفرض واقع سياسي بالقوة؟
تابع المجهر نت على X
