لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران منذ منتصف القرن الماضي علاقة صدام أو تحالف ثابت، بل مسارًا متحوّلًا تحكمه الوظيفة والمصلحة وإدارة المخاطر.
فالدور الإيراني وإن تبدلت أدواته وخطابه، ظل حاضرًا في معادلات التوازن الإقليمي، من مرحلة الشاه إلى ما بعد الثورة الإسلامية.
وخلال الحرب الباردة، شكّلت إيران إحدى ركائز الاستراتيجية الأمريكية في الخليج، ضمن سياسة احتواء الاتحاد السوفيتي، وجرى دمجها في مشاريع غربية كبرى، أبرزها مشروع "الذرة من أجل السلام" ، الذي وضع البذرة التقنية للمشروع النووي الإيراني في إطار مدني ظاهري، لكنه حمل قابلية التحول لاحقًا إلى أداة ردع ومساومة سياسية.
إذ أن سقوط نظام الشاه عام 1979م لم يُسقط الدور الإيراني، بل أعاد إنتاجه بأدوات مختلفة، وعلى هذا النحو تحولت طهران من حليف معلن للغرب إلى خصم خطابي، دون أن تفقد قدرتها على توظيف التحولات الدولية لصالحها.
وكانت الحرب العراقية – الإيرانية محطة مفصلية خرجت منها إيران بخبرة تنظيمية وعسكرية رغم الكلفة في الخسائر، فيما استُنزف أحد أعمدة التوازن العربي.
ومع انهيار الاتحاد السوفيتي دخل المشروع الإيراني مرحلة صعود نوعي، مستفيدًا من الفراغ العلمي والعسكري، واستقطاب الخبرات، وتحويل المشروع النووي من بنية بحثية إلى ورقة ردع وضغط.
وهذا دفع إيران وشجعها مطلع الألفية إلى الخروج من كونها مجرد دولة تدافع عن نظامها، والتحول إلى دولة مشروع إقليمي، تعتمد النفوذ غير المباشر، وبناء الشبكات، وصناعة الوكلاء.
ومن المفارقات التي لا ينبغي اغفالها، أن الحروب الأمريكية في المنطقة خلال العقدين الماضيين شكّلت مكاسب استراتيجية غير مقصودة لطهران، وهو ما اتخذته الأخيرة كمحطات تزود في قطار مشروعها ونفوذها الإقليمي.
فسقوط طالبان في أفغانستان أزال تهديدًا مباشرًا عن حدودها الشرقية، بينما أدى غزو العراق عام 2003 إلى إسقاط عدوها الأبرز، وتفكيك أحد أعمدة التوازن العربي، وفتح المجال في بغداد أمام نفوذ إيراني واسع عبر نموذج الدولة الضعيفة والميليشيات الموازية.
ورغم إدراك واشنطن لاحقًا لمخاطر هذا المسار، فإنها لم تذهب إلى مواجهة شاملة مع إيران، بل اعتمدت سياسة الاحتواء وإدارة الخطر، بما أبقى الصراع في نطاقه البارد والموجّه، قبل أن يرتفع منسوب التوتر في السنوات الأخيرة بفعل متغيرات إقليمية متسارعة .
لكن في المقابل ومع سعي أمريكا إلى تراجع حضورها المباشر، بدأت تتشكل ملامح تحالف إقليمي تقوده قوى محورية في مقدمتها السعودية، في محاولة لملء الفراغ الاستراتيجي، وإعادة ضبط توازن القوى، ومنع انزلاق المنطقة إلى فوضى نفوذ مفتوح.
وقد تعزز هذا التوجه مع تصاعد الأزمات، لا سيما حرب غزة وتداعياتها، التي أعادت واشنطن إلى دائرة الاشتباك في لحظة شديدة الحساسية .
وبالنظر إلى الأحداث المتسارعة في المنطقة، فإن المعطيات تشير إلى أن الإقليم يتجه نحو مرحلة صراع مُدار، يقوم على ضبط الإيقاع والاحتواء وتجنب الحسم والصدام .
فإيران تواجه اليوم أزمات داخلية، وضغوطًا متزايدة على مشروعها الإقليمي، فيما تسعى واشنطن إلى دفعها نحو تسوية بشروط محسوبة، بينما تركز إسرائيل على ضرب الأذرع والحيلولة دون إعادة الترميم مع الأخذ بعين الإعتبار عدم الانزلاق إلى حرب مفتوحة، في وقت تكرس كل جهدها وضغطوها لدفع واشنطن للمواجهة الشاملة وهذا الفعل بطبيعة الحال محفوف بالمخاطر وتحاول الإدارة الأمريكية تجنبه .
وفي هذا السياق يمثّل التحالف الإقليمي الناشئ فرصة حقيقية لإعادة تشكيل معادلات الأمن والاستقرار، شريطة تحوله من تنسيق سياسي إلى مشروع توازن استراتيجي فعلي .
فمستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد بإسقاط هذا الطرف أو ذاك، بل بقدرة القوى الإقليمية على ملء الفراغ، وكبح الأطماع والمشاريع العابرة للحدود، ومنع إعادة إنتاج الفوضى في إقليم أنهكته الصراعات .
صحفي يمني
Aljubaihi11@gmail.com
تابع المجهر نت على X