الرياض والفرصة التاريخية لليمن

‏يقول أجدادنا: “من خرج من داره قلّ مقداره”. واليمن اليوم يعيش هذا القول بكل أبعاده. خرجنا من بيوتنا، من مدننا، من أحلامنا، وتفرقت بنا السبل. صار مقدارنا بين الأمم أقل من أن يُحسب، وصارت حياتنا اليومية مزيجًا من مأساة وعبث.

‏أتذكر حديث صديق عزيز في عدن، قيادي جنوبي سابق، قال لي بمرارة: “نحن اليوم كمن يبيع تذاكر النجاة على سفينة مصنوعة من ورق، بينما العالم كله يراقبنا من بعيد”. عشر سنوات من الحرب، أكثر من 400 ألف قتيل، ملايين الأطفال لا يعرفون طعم الخبز إلا شكله، أو من الطفولة إلا صوت الرصاص، وكأن الحياة نفسها انحرفت عنهم.

‏أعود بالذاكرة إلى فندق موفنبيك 2013، حيث جلس 565 شخصًا “يخزنون” ويرسمون حلًّا لمشاكل اليمن المتراكمة عبر قرون. خرجوا بوثيقة جميلة، كقصيدة حب للوطن، لكنها كانت بلا قدرة على التنفيذ. الأوطان لا تُبنى بالشعر، تمامًا كما فعل اللبنانيون في اتفاق الطائف: وقعوا على ورق جميل وتركوا التفاصيل لتذوب في حرب أهلية خفية وفشل سياسي مستمر.

‏ثم جاء عبد ربه منصور هادي. مسكين، ورث بلدًا مفخخًا. حاول أن يرقص فوق الألغام السياسية. لوّح بالوثيقة أمام العالم ليجلب الدعم، لكنه كان يعرف أن تنفيذها في صنعاء يعني نهاية حكمه. كان كمن يعد الناس بقصور في الجنة، بينما هو عاجز عن حماية بيته.

‏في الشمال، قرأ عبد الملك الحوثي: “أنا الغريق فما خوفي من البلل”. حُشر كمكوّن طائفي محصور في إقليم “أزال”، بلا منفذ بحري يضمن مصالحه الاستراتيجية والتجارية، فصار المنفذ مسألة وجودية بالنسبة له، أكثر من مجرد طريق أو منفذ تجاري. حول مظلومية صعدة إلى مشروع سياسي، ووسع نفوذه على اليمن كله. دخل صنعاء وهو يقول للجميع: “انتهت الدولة وأنا صاحب القرار”.

‏أما وثيقة حوار موفنبيك، التي وضعت خريطة الفيدرالية والأقاليم، فقد وقع عليها ممثلون من الأطراف السياسية، لكن التوقيع لم يكن إجماعًا شاملًا، وما زالت بعض القوى تعتبر البنود تهديدًا لوحدة البلاد التي صارت مفتتة، وكأن أيدي سبأ قد تفرقت عبر التاريخ، بينما رأى آخرون فيها فرصة للعدالة في السلطة والثروة. الأوراق تنتظر التنفيذ.

‏في الجنوب، حاول عيدروس الزبيدي أن يكون البطل المضاد، أن يكون الحوثي الجنوبي. بنى جيشًا وحلم بالانفصال، مستغلاً ما قام به الحوثي كذريعة ضمن هندسته السياسية، لكنه نسي أن التاريخ في اليمن لا يعيد نفسه إلا كمأساة أو مهزلة. هكذا خرج من المشهد، تاركًا فراغًا لم يُملأ إلا بالانتظار.

‏ثم جاءت “جراحة 9 يناير”، مجلس القيادة الذي تشكّل عام 2022 وأُعيد ترتيبه. طار من طار، وبقي من يعرف أن الطائرة إلى الرياض ليست اختيارية، وأن كل خطوة هنا لا بد أن تُحسب بحذر. تشكّل المجلس من خليط يعكس جغرافيا اليمن وأوجاعه، في محاولة لجمع الشتات وبناء دولة من ركام الحرب.

‏اليوم، السعودية لا تحاول فحسب، بل تفرض منهجية جديدة. حوار الرياض ليس مجرد اجتماع، بل ورشة عمل لصناعة السلام. الرسالة واضحة: اتفقوا يا أهل الجنوب على ما تريدون، وسندعمكم، ثم اذهبوا للتفاوض مع الشمال. الفكرة هي “تفكيك الملفات”، وبناء قوة جنوبية متماسكة قبل مواجهة واقع الشمال. القرار اليوم في الرياض، بينما اليمن يغلي تحت نار الحرب، دون أن يوقفه أي بيان خارجي باهت.

‏يا قادة اليمن. أمامكم فرصة تاريخية لإعادة أطفال اليمن إلى مقاعد الدراسة، ولإعادة بناء وطن من تحت ركام الحرب. الفرصة موجودة، من حوار موفنبيك إلى مشروع الفيدرالية والأقاليم، الخرائط تنتظر التنفيذ، لكن التنفيذ يحتاج لشجاعة أكثر من توقيع على ورق.

‏السعودية اليوم تقف كجار يقدم فرصة وأمانًا، قبل أن تتخذوا قراركم النهائي بشأن الدار، أي مستقبل وطنكم.

‏والحرية والحياة، مثلما قالت أم في تعز، أمنيّة متواضعة لكنها أقدس من كل اتفاقيات القوة والسياسة: نريد فقط أن نعيش.

‏أطفال اليمن أمانة بين أيديكم. التاريخ لن يرحم من تركهم بلا حماية.