هل علينا أن نخشى من إيران الجديدة؟

إيران الجديدة تعني إيران مختلفة عما عهدناه عليها لأربع عقود. 

ربما يصل نظام حديث مدني، أو النظام الحالي نفسه إنما بسياسة مختلفة، تتجه نحو الانفتاح، بما فيه مع الغرب، وتنتهي من «دولة حرب» وتنخرط في التنافس السياسي والاقتصادي والتحالفات الإقليمية الجديدة.

هل هذا مدعاة للقلق؟ ولماذا؟

بعض المؤمنين بهذه النظرية يعتقدون أن إيران القديمة المحاصرة آمن لجيرانها من إيران المنفتحة!

 

وجهة نظرهم تقول إن إيران دولة إقليمية كبرى وعملاق اقتصادي خامل قتله المؤدلجون من رجال الدين. 

لذا، فإن الانفتاح سيغير المعادلة وسيجعل المنافسة صعبة على دول مثل الدول الخليجية، وكذلك العراق ومصر. 

وسيزداد الوضع تحديا وتعقيدا إذا تصالحت مع إسرائيل وطبعت معها. وستصبح في المنطقة قوتان مهيمنتان.

 

رأيي أن هذا التصور وارد جدا، فلكل دورة نهاية، ونحن نلحظ تآكل النظام الإيراني القديم، يتداعى ذاتياً أو نتيجة المواجهة الوشيكة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. 

 

الاحتمال القوي الآخر أن يصمد النظام لكنه يتغير من داخله، كما حدث لروسيا والصين من قبل.

 

هنا نفترض أن التغيير وارد في الحالتين، طبعا هذا لا ينفي احتمالات أخرى،

مثل صمود النظام ومحافظته على سياساته القديمة،

أو تغير النظام جزئيا ويصبح أكثر تطرفا وانغلاقا. 

 

سنستبعد هذين الاحتمالين ونركز الحديث عن احتمالية «التغيير» كسياسة، بغض النظر عما إذا بقي الحكم أم لا.

 

إيران كانت ولا تزال محوراً إقليمياً فاعلا، ومنذ تبنيها سياسة تصدير الثورات وهي المصدر الرئيسي للتوتر والحروب والتنافس العسكري، حتى مقارنة بمن قاسموها نشر الفوضى مثل صدام والقذافي تأثيرهم أقل.

 

سياسة إيران التصادمية والمحاور العسكرية تقلق المنطقة وتستنزف مقدراتها. 

ساهمت عقوبات الولايات المتحدة عليها في إضعاف اقتصادها 

التي لم تمنح الدول الأخرى ميزة مضافة نتيجة الفوضى والزعزعة التي كلفت المنطقة كثيرا، وجعلتها طاردة للمستثمرين الدوليين، 

 

واضطر أكثر الحكومات للإنفاق على التخندق والتحالف المضاد.

 

إيران المنفتحة المستقرة ستكون مصدرا لإنعاش المنطقة، وليس إفقارها، كما يخاف البعض. 

 

ماذا عن قيام علاقة بين إيران وإسرائيل مستقبلا؟ 

 

هذا احتمال وارد بنسبة عالية. 

وبخلاف ما يبدو لنا، فإن التوتر الإيراني الإسرائيلي منذ الثورة وإلى اليوم هو نتيجة التنافس على الهيمنة، وليس العداء المتجذر، 

 

رغم الخطاب السياسي الديني والتاريخي للنظامين. إسرائيل لم تكن تقبل بهيمنة إيران الإقليمية لأنها قد تهددها، وإيران كانت تتوسع في ما تعتبره مجالها بالسعي للسيطرة على لبنان وسوريا والعراق وغيرها من دول المشرق العربي، 

ولو قبلت إسرائيل التعايش مع التمدد الإيراني لما وقع الصدام. 

 

هذا التصور يكاد يكون من المستحيل أن تتعايش معه الدولة العبرية التي تخشى من نوايا التمدد، إضافة إلى أنها لن تقبل بأي قوة إقليمية تملك هذا الكم الهائل من النفوذ، حتى لو كانت محايدة. 

 

مشروع النظام الحالي في طهران كان بناء إمبراطورية إسلامية إيرانية، كما كانت للأتراك دولتهم الواسعة، والعرب من قبلهم.

 

المشروع تهاوى، لأنه غير واقعي في عالم اليوم، وثانيا لأن النظام الإيراني وإن كان قادرا على تصنيع أسلحة متفوقة وبناء شبكات إقليمية خطيرة، فإنه نظام متخلف إداريا واقتصاديا وغارق في الأيديولوجيا المتشددة المرفوضة عالميا، حتى من قبل دول مساندة له، مثل الصين وروسيا.

 

علاقة طهران بتل أبيب محتملة مع النظام الحالي في حال تبدلت سياسته، 

حيث أن لإسرائيل علاقات مباشرة وشبه مباشرة مع نحو نصف الدول العربية والإقليمية الأخرى. 

 

هل تتحول العلاقة إلى تحالف؟

 

مستبعد، لأن إيران هي المعسكر الذي تتحالف القوى الإقليمية ضده، 

 

ضد من ستتحالف إسرائيل وايران؟

 

اقتصادياً، إيران ستكون سوقا واعدة لدول المنطقة إن تغير منهجها. ربما ستشبه السعودية مثلا التي هي رافد مهم لاقتصاديات كثير من الدول العربية والإقليمية.

 

التنافس الاقتصادي مع إيران سيرفع المنطقة إلى مستويات جديدة، وسيدفع دولا للتركيز على تطوير قدراتها،

وقد تكون ملهمة كالسعودية في «رؤيتها 2030»، التي رسمت خطتها لتعزيز مصادر دخل متعددة بدلا من الاعتماد الخطير على مورد النفط وحده.

 

إيران القديمة عبء على المنطقة، وسبب في استنزاف مواردها، ومن المأمول أن نرى إيران جديدة ناجحة ومزدهرة ومستقرة، لأن هذا سيصب في صالح جيرانها. 

 

لك أن تتخيل أن تكون جارتك كوريا الجنوبية، (بدلاً من كوريا الشمالية) التي هي الأخرى خرجت مدمرة في الخمسينات، ومثل سنغافورة، وأيرلندا التي كانت فقيرة أوروبا. الدول الناجحة تخلق بيئة إقليمية إيجابية مزدهرة

 

*نقلا عن الشرق الأوسط