منع الطائرة الإيرانية.. هل أُفشل مشروع تحويل مطار صنعاء إلى منصة للتصعيد الإقليمي؟ (تقرير خاص)

منع الطائرة الإيرانية.. هل أُفشل مشروع تحويل مطار صنعاء إلى منصة للتصعيد الإقليمي؟ (تقرير خاص)

تأتي محاولة إيران فتح خط جوي مع جماعة الحوثي الإرهابية، في توقيت إقليمي حساس تحاول فيه طهران إعادة ترتيب أوراقها عبر أذرعها في المنطقة، بعد أن تعرضت لضغوط متزايدة عقب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، في ظل مساعٍ دولية وإقليمية لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.

ويحمل مطار صنعاء تحديداً دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز الجانب اللوجستي، باعتباره يقع تحت سيطرة جماعة الحوثي منذ سنوات، ويحاول الحوثيون تقديمه كرمز لسيادتهم المنفصلة عن الحكومة اليمنية ومؤسساتها المعترف بها دوليا، بينما ترى الحكومة أن أي حركة جوية فيه يجب أن تمر عبر السلطات الرسمية باعتباره منشأة سيادية تخضع للقوانين المنظمة للمطارات والمجال الجوي.

ويرى مراقبون أن إيران تسعى إلى تحويل مطار صنعاء إلى ورقة ضغط جديدة، على غرار استخدام الحوثيين للموانئ والسواحل اليمنية لتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.

والواضح أن محاولة هبوط طائرة "ماهان إير" الإيرانية في مطار صنعاء ومن ثم هبوطها في مطار الحديدة، تحول إلى اختبار سياسي وعسكري حول طبيعة المرحلة المقبلة في اليمن، وحدود قدرة إيران وجماعة الحوثي على فرض وقائع جديدة تتجاوز مؤسسات الدولة ومحاولة لفتح مسار المواجهة الإقليمية مجدداً.

 

اختبار السيادة

 

أعلنت الحكومة اليمنية، أمس الاثنين، أن الطائرة التابعة لشركة "ماهان إير" الإيرانية في طريقها إلى مطار صنعاء وعلى متنها وفد من جماعة الحوثي عائداً من مراسم عزاء "خامنئي" في طهران، في محاولة اعتبرتها السلطات اليمنية خرقاً للإجراءات القانونية المنظمة للملاحة الجوية وانتهاكاً للسيادة اليمنية.

ومع اقتراب الطائرة من الأجواء اليمنية، أعلن وزير الدفاع اليمني أن القوات المسلحة اليمنية ستتخذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية سيادة البلاد وأجوائها ومنافذها، فيما وجه رئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة رشاد العليمي باتخاذ الإجراءات العسكرية اللازمة لمنع هبوط الطائرة في مطار صنعاء دون الحصول على موافقة السلطات الشرعية.

وذكر بيان وزير الدفاع، أن القوات المسلحة اليمنية قامت باستهداف مدرج مطار صنعاء وتعطيل قدرته التشغيلية، ما أفشل محاولة الهبوط، قبل أن تغلق الطائرة نظام التتبع والرادار وتغير مسارها باتجاه مطار الحديدة كمطار بديل.

لاحقاً، أصدر الرئيس العليمي توجيهاته بمنع توسيع دائرة المواجهة، مؤكداً أن الهدف ليس استهداف المدنيين أو الإضرار بالبنية التحتية، بل منع استخدام الأراضي والأجواء اليمنية لخدمة مشاريع خارجية.

وأضاف في كلمة نقلها التلفزيون الحكومي، أن الدولة اليمنية لن تسمح مستقبلاً لأي طائرة إيرانية بانتهاك الأجواء اليمنية، سواء عبر مطار صنعاء أو أي مطار آخر، مؤكداً أن السيادة الوطنية تشمل المجال الجوي والمنافذ كافة.

 

عُزلة دولية

 

هيمنت الأزمة على جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي جاءت بطلب من الحكومة اليمنية، حيث أشارت المندوبة الأمريكية لدى المجلس دوروثي شيا، إلى أن جماعة الحوثي تواصل تهديد اليمنيين وحرية الملاحة بدعم كامل من إيران.

واعتبرت أن احتفاء الجماعة بالطائرة الإيرانية يمثل محاولة لإنهاء عزلتها، مشددة على أن هبوط أي طائرة في اليمن دون موافقة الحكومة الشرعية يعد "انتهاكاً للسيادة وخرقاً للقانون الدولي".

من جهتها حذرت بريطانيا من أي خطوات تعزز القدرات العسكرية للحوثيين، فيما دانت البحرين الهجمات الحوثية على السعودية وتهديداتهم بإغلاق مضيق باب المندب.

أما ممثلة اليونان فوصفت المشهد بأن اليمن يقف أمام مفترق طرق، مؤكدة أن تهديدات الحوثيين لأمن الملاحة والطيران تمثل اعتداءً مباشراً على الاستقرار الإقليمي، وأن أمن البحر الأحمر "شريان حياة عالمي يجب أن يبقى مفتوحاً".

من جانبه، أوضح مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبدالله السعدي، أن الرحلة الإيرانية التي قامت بها شركة "ماهان إير" لا تمثل إجراءً إنسانياً وإنما انتهاكاً صارخاً للسيادة اليمنية وتحدياً لقرارات مجلس الأمن".

وأشار السعدي إلى أن المعلومات المتوفرة تفيد بارتباطها بنقل عناصر ومعدات ذات طبيعة عسكرية، داعياً إلى التحقيق في طبيعة الشحنات التي نُقلت، وتشديد الرقابة على تهريب الأسلحة والخبراء.

 

أداة ضغط

 

محاولة طهران فتح خط جوي مباشر مع صنعاء لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي الأوسع، خصوصاً مع تصاعد الضغوط على النظام الإيراني وسعيه إلى استخدام حلفائه في المنطقة لامتلاك أوراق تفاوضية ناجعة.

ويقول الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية الدكتور علي الذهب، إن إيران بدأت تبحث عن وسائل لتخفيف الضغوط التي تواجهها، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية والضربات التي تعرضت لها، مشيراً إلى أنها لجأت إلى الحوثيين لنقل المواجهة من مناطق الخليج ومضيق هرمز إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر.

وأضاف الذهب في حديثه لـ"المجهر" أن ظهور شخصيات إيرانية مرتبطة بالحرس الثوري داخل مناطق سيطرة الحوثيين، مثل علي محمد رضائي الذي يمثل إيران لدى الجماعة، يعيد إلى الأذهان الدور الذي لعبه القيادي الإيراني حسن إيرلو سابقاً.

وأشار إلى أن المواجهة قد تكون حاضرة، لكنها بحسب تقديره، ستكون ضمن نطاق محدود زمانياً ومكانياً، في ظل وجود ضغوط داخلية وخارجية تمنع إيران من تحقيق أهدافها كاملة.

ويرى الذهب أن الجناح العقائدي داخل جماعة الحوثي هو الأكثر اندفاعاً نحو خيارات التصعيد، باعتباره المسيطر على القدرات العسكرية الاستراتيجية للجماعة، ومنها الطائرات المسيرة والصواريخ التي تطورت بدعم وتدريب إيراني.

 

فشل الرهان

 

بعد تعثر محاولة هبوط الطائرة الإيرانية، انتقلت جماعة الحوثي إلى التصعيد العسكري، في مؤشر اعتبره مراقبون محاولة للرد على إفشال المشروع الجوي الإيراني، حيث أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع تنفيذ هجوم باتجاه مطار أبها الدولي جنوب السعودية باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، مدعياً تحقيق أهداف عسكرية.

في المقابل، أعلن المتحدث باسم قوات التحالف العميد الركن تركي المالكي أن الدفاعات الجوية السعودية اعترضت تهديداً بصواريخ باليستية أطلقتها الجماعة باتجاه جنوب المملكة، مؤكداً التعامل معها وإحباطها.

ويرى عدد من السياسيين والصحفيين اليمنيين والإقليميين، أن جوهر الأزمة لم يكن مرتبطاً بالطائرة نفسها، وإنما بمحاولة تكريس مسار جوي إيراني دائم مع مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يشير الصحفي عدنان الجبرني المتخصص في الشؤون العسكرية وجماعة الحوثي، إلى أن أهمية ما حدث تكمن في أنه كسر الخطوة الأولى في مصفوفة التصعيد الحوثية للمرحلة المقبلة، مبيناً إلى أن الجماعة كانت تراهن على أن خصومها لن يتخذوا موقفاً عملياً تجاه مشروع الخط الجوي مع إيران.

وأضاف الجبرني في تدوينة على منصة إكس، أن الحوثيين كانوا قد أعلنوا في وقت سابق أن خط صنعاء - طهران لن يكون مرتبطاً فقط بعودة وفد التشييع، وإنما سيكون مساراً مستمراً، إلا أن التطورات الأخيرة جعلت استمرار هذا المشروع أكثر صعوبة.

ويؤكد الكاتب الصحفي خليل العمري أن النقاش حول مكان هبوط الطائرة يحاول صرف الأنظار عن القضية الأساسية، وهي محاولة إنشاء جسر جوي إيراني دائم إلى مناطق سيطرة الحوثيين، معتبراً أن منع الهبوط في صنعاء أفشل محاولة تكريس واقع جديد قبل أن يتحول إلى أمر مفروض.

 

صناعة الأزمة

 

يعتقد السياسي والدبلوماسي اليمني الدكتور ياسين سعيد نعمان، أن ما قامت به إيران والحوثيون يعكس محاولة متعمدة للبحث عن مبررات لإشعال مواجهة جديدة، موضحاً أن الجماعة تعيش مرحلة صعبة بعد أن كشفت فترة التهدئة حجم أزماتهم الداخلية، مشيراً إلى أن الجماعة تبحث عن أي سبب يعيدها إلى مربع الحرب لتجاوز أزماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وأضاف نعمان في منشور على "فيسبوك"، أن إيران نفسها لا ترى مستقبلاً لنفوذها إلا عبر استمرار حالة الصراع واستخدام أذرعها الإقليمية كأدوات ضغط، معتبراً أن الردع وإنهاء هذا المسار أصبح مسألة مصيرية.

ويشير ذلك إلى أن التصعيد الحوثي لا ينفصل عن حسابات طهران الإقليمية، إذ لطالما استخدمت إيران الجماعات المسلحة المتحالفة معها لتعويض ضعفها المباشر، وخلق جبهات ضغط متعددة كلما تعرضت لمواجهة أو ضغوط سياسية وعسكرية.

ومن هذا المنطلق، فإن نقل المواجهة من البحر الأحمر إلى الأجواء اليمنية قد يكون محاولة لإعادة إدخال الملف اليمني في صلب الحسابات الإقليمية، خصوصاً مع إدراك طهران أن تهدئة الجبهات اليمنية تقلل من قدرة الحوثيين على لعب دور أداة ضغط خارجية.

من جهته، اعتبر التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، محاولة الطائرة الإيرانية الوصول إلى صنعاء تصعيداً خطيراً وانتهاكاً للسيادة اليمنية، محملاً النظام الإيراني وجماعة الحوثي المسؤولية عن تداعيات هذا المسار.

وقال التكتل في بيان له، إن إصرار إيران والحوثيين على فرض واقع خارج مؤسسات الدولة يمثل تقويضاً للعملية السياسية، داعياً المجتمع الدولي إلى الانتقال من مرحلة الإدانة إلى إجراءات أكثر فاعلية لمنع استخدام اليمن كساحة للصراعات الإقليمية.

من جانبه، أعلن المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية، رفضه للانتهاكات الإيرانية للأجواء اليمنية، معتبراً أن محاولة فتح خط جوي مباشر بين طهران وصنعاء تمثل خطوة تهدف إلى تعزيز قدرات الحوثيين وتهديد أمن اليمن والمنطقة.

وأكد المجلس في بيان له، تأييده للإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية، داعياً إلى موقف أكثر حزماً لمنع تكريس أي واقع جديد يخدم الجماعة، ومحذراً من أن استمرار استخدام الأراضي والأجواء اليمنية لخدمة المشروع الإيراني سيؤثر على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، وهي المنطقة التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى إحدى أكثر بؤر التوتر تأثيراً على التجارة العالمية.

 

إدارة التصعيد

 

أثارت مسألة توجه الطائرة الإيرانية إلى مطار الحديدة بعد تعذر هبوطها في صنعاء نقاشاً واسعاً حول طبيعة القرار اليمني في التعامل مع الأزمة، حيث يرى خبراء أن قرار عدم استهداف الطائرة نفسها، والاكتفاء بضرب مدرج مطار صنعاء، يعكس محاولة لإدارة التصعيد وليس توسيعه.

وقال رئيس المركز القومي الاستراتيجي الدكتور تاج السر عثمان إن القضية الأساسية لم تكن مكان هبوط الطائرة، بل محاولة اختراق الأجواء اليمنية دون موافقة الدولة، موضحاً أن القرار العسكري اليمني اتسم حسب تقديره، بالتدرج، إذ تم منع تحقيق الهدف الأساسي المتمثل في تحويل مطار صنعاء إلى جسر جوي إيراني، مع تجنب سقوط ضحايا مدنيين.

وأضاف في تدوينة على "إكس" أن إبقاء بعض المخارج أمام الطائرة كان جزءاً من التعامل المسؤول مع الأزمة، مؤكداً أن الفرق بين الدولة والجماعة المسلحة هو أن الدولة تضع حياة الإنسان في الاعتبار حتى أثناء المواجهات.

أما الصحفي ياسين العقلاني فتحدث عن معلومات تفيد بأن الحكومة الشرعية باتت تمتلك سلاحاً جوياً، وقد بدأت عملية إعادة تأهيل القوات الجوية منذ 2021، حيث تم تدريب طيارين يمنيين على مقاتلات F-16 وتشغيل الطائرات المسيّرة الصينية والتركية".

من جانبه، لفت رئيس الدائرة الإعلامية لحزب الإصلاح في تعز أحمد عثمان إلى أن ما حدث أكد أن السيادة لا تكون بالشعارات وإنما بقدرة الدولة على اتخاذ القرار وتنفيذه.

فيما يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن محمد عبدالله الكميم، أن أهمية ما حدث تكمن في إسقاط فكرة أن مناطق سيطرة الحوثيين يمكن أن تتحول إلى منفذ مفتوح للنفوذ الإيراني، مضيفاً أن نجاح الحكومة في تعطيل الهبوط يمثل رسالة ردع واضحة.

وأشار الكميم في منشورات على "فيسبوك" إلى أن الحوثيين والإعلام الإيراني حاولوا نقل النقاش إلى تفاصيل الرحلة ومكان الهبوط، بينما جوهر القضية هو منع تكريس واقع جديد خارج مؤسسات الدولة.