تحليل: الرياض تعيد رسم قواعد اللعبة الإقليمية بعد تصادم استراتيجي مع أبو ظبي

تحليل: الرياض تعيد رسم قواعد اللعبة الإقليمية بعد تصادم استراتيجي مع أبو ظبي

كشف تحليل حديث لرئيس تحرير موقع "ميدل إيست آي" ديفيد هيرست، عن تحوّل استراتيجي عميق في السياسة السعودية تجاه الشرق الأوسط، بعد أن توصلت الرياض إلى قناعة بأن مسارات إقليمية تقودها كل من الإمارات وإسرائيل باتت تمسّ أمنها القومي وسيادتها بشكل مباشر.

وأكد هيرست في تحليل نشرته مجلة "ميم"، أن ما يجري لا يندرج في إطار خلافات سياسية عابرة أو تنافسات على النفوذ، وإنما يمثل "إعادة ضبط كبرى لموازين القوى"، تقودها ما يسميه "الدول العربية الحقيقية" ذات الثقل السكاني والسياسي، وعلى رأسها السعودية ومصر والجزائر، في مواجهة مخطط إقليمي يهدف إلى السيطرة على الممرات البحرية الحيوية وتفكيك الدول العربية إلى كيانات ضعيفة.

وبحسب التحليل، تقوم الخطة الإسرائيلية–الإماراتية على فرض النفوذ على نقاط الاختناق الاستراتيجية مثل مضيق باب المندب، عبر دعم قوى محلية وانفصالية وزرع قواعد عسكرية تضمن سيطرة طويلة الأمد على طرق التجارة والطاقة.

واستشهد بما يحدث في سوريا، حيث يجري الدفع باتجاه تحويل البلاد إلى مناطق متصارعة بلا سلطة مركزية، وبما تفعله أبو ظبي في كل من اليمن والسودان عبر دعم كيانات موازية للدولة.

وشكّل اليمن نقطة التحول الحاسمة في هذا المسار. فدعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي، بهدف إنشاء دولة في جنوب اليمن تسيطر على الموانئ الحيوية وتعترف بإسرائيل، بلغ ذروته عندما حاولت قواته التمدد نحو محافظتي المهرة وحضرموت المتاخمتين للحدود السعودية، وهو ما اعتبرته الرياض تجاوزاً مباشراً لـ"الخطوط الحمراء".

ويرى هيرست، أن هذا التطور "أزال الغمامة عن أعين القيادة السعودية"، فبادرت إلى رد حازم تمثل في دعم قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لاستعادة السيطرة على المهرة وحضرموت، إضافة إلى استهداف شحنة أسلحة إماراتية في ميناء المكلا، في رسالة سياسية وعسكرية مباشرة إلى أبو ظبي.

وتشير التداعيات السريعة إلى حجم التحول، إذ أعلنت الإمارات انسحاباً مفاجئاً من معظم مواقعها في اليمن بما في ذلك جزيرة سقطرى، بعد أن انهارت ترتيبات استمرت نحو عقد من الزمن خلال ساعات.

كما تصاعدت الاتهامات داخل المعسكر اليمني المتحالف معها، فيما عكست منصات التواصل الاجتماعي التابع للسعودية تصاعداً غير مسبوق في انتقاد السياسة الإماراتية.

ويخلص هيرست، إلى أن ما يجري يمثل تحولاً هيكلياً دائماً في الإقليم لا مجرد أزمة عابرة، مؤكداً أن الرياض أدركت أن المشاريع الإقليمية التي تقودها أبو ظبي وتل أبيب تهدد مباشرة سيادة المملكة واستقرار المنطقة.

ويضيف أن السعودية حتى دون مواجهة مباشرة، تمتلك من أدوات الضغط ما يكفي لجعل المسألة شديدة الصعوبة على القوى التي تسعى إلى إعادة هندسة الشرق الأوسط عبر الفوضى والتفتيت.

ووفقا للتحليل، يبدو أن الشرق الأوسط مُقبل على مرحلة جديدة من إعادة رسم التوازنات، حيث لم تعد القوى الإقليمية الكبرى مستعدة للقبول بإدارة مستقبلها من خارج حدودها.