لم يعد مسلسل "دروب المرجلة" في جزئه الثالث مجرد دراما رمضانية تُعرض للتسلية، بل تحوّل إلى مادة للنقاش في كثير من المجالس اليمنية.
ورغم تصدّره نسب المشاهدة وتفاعلات مواقع التواصل، إلا أن العمل يواجه تساؤلات نقدية جادة حول ما إذا كان قد ضحّى بجوهر الدراما وقيمتها الفنية في سبيل ملاحقة أرقام المشاهدات على المنصات الرقمية.
أبرز ما يؤخذ على العمل ميله الواضح إلى الإثارة الدرامية السهلة التي تبدو أقرب إلى محاولة لشدّ انتباه الجمهور وتصدر "الترند"، أكثر من كونها خدمة حقيقية لمسار الحكاية.
فبعض المشاهد والحوارات جاءت مثيرة للجدل دون مبرر درامي واضح، الأمر الذي يضع العمل في دائرة النقد الأخلاقي والمهني.
الدراما، في بيئة محافظة مثل المجتمع اليمني، لا يُفترض أن تتحول إلى مجرد وسيلة لجمع "النقرات" أو تحقيق الانتشار، بل يفترض أن تسهم في الارتقاء بالذوق العام وتحافظ على الحد الأدنى من القيم الاجتماعية والمهنية التي اعتاد عليها المشاهد اليمني.
يقدّم المسلسل صورة يغلب عليها حضور السلاح كوسيلة أساسية لحسم الصراعات، في مقابل حضور باهت لمفاهيم الدولة والقانون.
هذه الصورة، وإن كانت تحاول محاكاة واقعٍ اجتماعي في بعض البيئات، إلا أن المبالغة في إبرازها قد تكرّس انطباعًا أحاديًا عن المجتمع، وكأن القوة وحدها هي اللغة السائدة لحل الخلافات.
على المستوى البصري، نجحت عدسة المسلسل في تقديم مشاهد لافتة لجماليات الصحراء والبيئة البدوية، وهو جانب يحسب لصنّاع العمل من حيث الإخراج والتصوير.
غير أن هذا الإبهار البصري لم يستطع إخفاء الضعف في بناء الحكاية، حيث بدت بعض الأحداث مرتبكة ومبنية على مصادفات غير مقنعة لإنقاذ الشخصيات أو دفع القصة إلى الأمام.
كما أن المبالغة في مشاهد الاشتباكات والمؤثرات جعلت بعض اللقطات أقرب إلى ألعاب الفيديو منها إلى دراما واقعية، ما أضعف إحساس المشاهد بصدق الحكاية.
في البعد الاجتماعي واللغوي، قدّم المسلسل لهجة بدوية غير واضحة الانتماء، لا تشبه بشكل دقيق لهجات المناطق البدوية المعروفة في اليمن مثل مأرب أو الجوف أو شبوة.
هذا التداخل اللغوي أربك المتلقي، وخلق صورة تبدو أحيانًا مصطنعة عن البيئة التي يدّعي العمل تمثيلها.
كما أن تصوير البادية في إطار ضيق يختزلها في الثأر والغزو والصراع المسلح، يتجاهل جوانب كثيرة من التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها أبناء تلك المناطق اليوم، وكأن البادية ليست سوى خلفية درامية جاهزة أكثر من كونها مجتمعًا حقيقيًا له تنوعه وتعقيداته.
لا يمكن إنكار أن المسلسل نجح في جذب شريحة واسعة من الجمهور، وهو نجاح يُحسب لصنّاعه من ناحية الانتشار والتسويق. لكن الشعبية وحدها لا تكفي للحكم على القيمة الفنية لأي عمل درامي.
فالدراما التي تبقى في ذاكرة الناس هي تلك التي تنجح في تحقيق التوازن بين المتعة والرسالة، وبين التشويق والصدق الفني.
المشاهد اليمني لا يبحث عن ضجيجٍ فارغ بقدر ما يبحث عن حكاية تشبهه وتلامس واقعه. والجمهور الذي يرفع أي عمل إلى صدارة المشاهدات قادر أيضًا على أن يسحبه من تلك القمة متى شعر أن الدراما تحولت إلى مجرد سباقٍ على "الترند".
لكن ما يبقى في ذاكرة الناس ليس الصخب ولا "الترند"، بل الحكاية الصادقة التي تشبه حياتهم وتعكس واقعهم فالمشاهد اليمني، رغم بساطته، يمتلك حسًا نقديًا يدرك به الفرق بين الدراما التي تُحكى بصدق، وتلك التي تعتمد على الإثارة العابرة.
ولهذا تبقى قيمة أي عمل درامي في قدرته على احترام عقل الجمهور وهويته، وتقديم قصة تحمل روح المجتمع لا مجرد صور وضجيج. فالفن الذي ينطلق من الناس ويعود إليهم هو وحده القادر على البقاء، أما الأعمال التي تراهن فقط على الصخب، فسرعان ما تخفت مع مرور الوقت.
تابع المجهر نت على X